
النقطة الثانية ـ الأساس الذي تقوم عليه خلافة الإنسان:
يمتاز الإنسان من بين كافة المخلوقات بالعقل والإرادة وحرية الاختيار، وهذا يؤسس لحركة صعود وهبوط في مكانته المعنوية ومنزلته في الوجود، فهو يستطيع أن يصعد في حركته التكاملية حتى يتخطى كمال الملائكة كما هو الحال بالنسبة إلى الرسول الأعظم الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله ولم ) الذي تجاوز سدرة المنتهى ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى من العلي الأعلى، حيث بلغ السبحة ـ وهي الحد الفاصل بين الخالق والمخلوق ـ وهي درجة من القرب لم يبلغها أحد من الملائكة، فقد توقف الأمين جبرائيل (عليه السلام) في رحلة المعراج عند سدرة المنتهى وقال: لو تقدمت أنملة لاحترقت، بينما تقدم الحبيب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) منفردًا حتى بلغ السبحة، وهي الحد الفاصل بين الخالق والمخلوق ـ كما قلت ـ فهو أكمل المخلوقين، وأحبهم إلى الله عز وجل، وأقربهم إليه، وأخصهم زلفة لديه، لا يضاهيه في ذلك أحد من المخلوقين على الإطلاق.
ومن جهة ثانية يستطيع الإنسان أن يهبط بإرادته واختياره في حركة السقوط والهبوط حتى ينسلخ من إنسانيته السامية ويهوي إلى مقام الحيوانية السحيقة، ثم يتخطى إبليـس (عليه اللعنة) في خزيه وشيطنته وشره، فيقوم بما يعجز عنه إبليس من تدمير الخليقة والإفساد في الأرض.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ”ابن آدم أشبه شيء بالمعيار: إما ناقص بجهل، أو راجح بعلم” (تحف العقول . ص150).
ومما سبق نتوصل إلى النتائج المهمة التالية..
النتيجة الأولى: أن الالتزام بشروط الخلافة والسير طبقًا للنظام الإلهي في الحياة يمثل مقام الإنسانية الأسمى والأرفع، وأن هذا المقام يقوم على أساسين..
الأساس الأول: قدرة الإنسان على تحصيل العلم والمعرفة وقدرته على الإبداع في تسخير الأشياء لمصلحته.
الأساس الثاني: قدرة الإنسان على النمو والتكامل الروحي والمعنوي وسلوك طريق الحق والعدل والخير والفضيلة في الحياة بإرادته الحرة واختياره للنظام الإلهي كمنهج شامل في حياة، ومن ثم تجسيد الإرادة التشريعية للرب العلي القدير وصفاته العليا وأسمائه الحسنى في عمارة الأرض وتشييد الحضارة الإنسانية السامية، مما يؤدي إلى إقامة حضارة إنسانية متوازنة وشامخة ماديًّا ومعنويًّا.
النتيجة الثانية: أن الإنسان الكامل يمثل الغاية القصوى من خلق الإنسان، وهو معشوق الله جل جلاله من بين كافة المخلوقات، وخليفته المطلق في الوجود، وهو العالم بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا والمعبر عن إرادته في الخلق والتدبير.
النتيجة الثالثة: أن خروج الإنسان عن منهج الخلافة الإلهية كمنهج شامل في الحياة، يمثل أقصى ظلم من الإنسان لنفسه، حيث يؤدي إلى انسلاخه من إنسانيته والفساد في الأرض واستحقاقه لغضب الله جبار السماوات والأرض والخلود في النار، وكان في وسعه أن يبلغ من خلال اختياره لمنهج الخلافة الإلهية كمنهج شامل في الحياة الكمال المعنوي في إنسانيته فيصلح الحياة الاجتماعية للإنسان على وجه الأرض ويحظى بمحبة الرب تبارك وتعالى وقربه ويفوز بالسعادة الأبدية والنعيم الدائم في أعلى الغرف في جنة الخلد في الآخرة.
قال الله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ . وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} (هود : 100 ـ 101).
النقطة الثالثة ـ متطلبات الخلافة:
ليكون الإنسان خليفة الله في الأرض بحق وحقيقة يتطلب منه عدة أمور..
الأمر الأول ـ الشعور بالمسؤولية وتحملها في الحياة:
لقد منح الله جل جلاله الإنسان على أساس الخلافة الإلهية للإنسان من الطاقات والمواهب والقدرات والخصائص ما يمكنه من الانطلاق في سبيل الحق والعدل والخير والفضيلة وتحقيق ما يريد الله تبارك وتعالى منه أن يحققه في الأرض من التعمير والبناء وإقامة الحق والعدل والمحبة والسلام على ربوعها، ليسمو ويصعد في سلم الكمال المعنوي والروحي حتى يكون أفضل من الملائكة، ويشيد حضارة إنسانية متوازنة وشامخة ماديًّا ومعنويًّا من شأنها أن تستجيب لكافة احتياجات الإنسان ومتطلبات راحته وسعادته المادية والمعنوية في الحياة.
وتعتبر تلك الطاقات والمواهب والقدرات والخصائص من الأسس التي تقوم عليها سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وقد أودع الله جل جلاله للإنسان ضميرًا يدعوه إلى أن يتحمل مسؤولياته الإنسانية على ضوء منهج الخلافة الإلهية للإنسان وتحقيق غاياتها العظيمة والمقدسة في الحياة، ويؤنبه على التقصير فيها، فإن استجاب لنداء الضمير وأدى ما عليه من الوظائف والمسؤوليات ارتاحت نفسه وسكن ضميره، وإلا فهو القلق الذي لا ينتهي، والسقوط إلى هوة الحيوانية السحيقة، والشقاء في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب : 72).
ومما سبق نتوصل إلى النتائج المهمة التالية..
النتيجة الأولى: ليس للإنسان الحق في أن يقف موقف اللامبالاة أو على الحياد في ساحات الصراع وفي مواجهة القوى العدوانية المضادة للحق والعدل والخير والفضيلة والحرية والمحبة والسلام الخارجة على منهج الخلافة الإلهية للإنسان في الأرض، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، فالسكوت عن الحق والعدل حالة شيطانية ومشكلة حقيقية تقف أمام الشعوب التي تتطلع إلى الحرية والاستقلال والعزة والكرامة والتقدم والرخاء في الحياة، تصل إلى حد الخيانة لأمانة الخلافة الإلهية للإنسان في الأرض ولقضايا الشعوب، فهي المسؤولة عن ضعف الشعوب وهزائمها وترسيخ الباطل والظلم والاستبداد في المجتمعات والدول، وذلك لأنها تخذل قوى الحق مما يعطي قوى الباطل والظلم والاستبداد والفساد والرذيلة قوة أمام قوى الحق التي خذلوها بمواقف اللامبالاة غير المسؤولة.
ومن شأن ذلك أن يرسخ وجود تلك القوى الغاشمة في الأرض، ويمكنها من التسلط وفرض هيمنتها على الناس، وظلمهم وسحق كرامتهم وإنسانيتهم، وجرهم إلى الفساد والرذيلة والخطيئة، وهذا خلاف مقتضى الخلافة الإلهية للإنسان في الأرض، ويتطلب من الإنسان المؤمن بخط الخلافة الإلهية ومنهجها في الحياة، أن يقول كلمة الحق التي يؤمن بها عند اختلاف الآراء، وأن يقف مع الحق عمليًّا في ساحات الصراع كلها، وأن يعيش تحديات الرسالة الإلهية في مواجهة التيارات الأخرى على كافة الأصعدة، ليحرك الواقع في الاتجاه الذي من خلاله يمكن أن تتحقق للإنسان أصالته الإنسانية وكرامته، ويكون كما أراد الله جل جلاله له في الحياة، وهذا ما يفعله الشهداء الأبرار بمواقفهم البطولية الشجاعة بالضبط والحقيقة.
النتيجة الثانية: ليس لمن يؤمن بمنهج الخلافة الإلهية في الأرض الحق في أن يمارس دوره بعيدًا عن موقع المسؤولية فيقوم بتعطيل الطاقات والمواهب والقدرات والخصائص التي منحه الله تبارك وتعالى إياها أو توجيهها في خدمة الباطل والظلم والشر والرذيلة، فيعيش الضعف والتخلف والحرمان على الصعيد العلمي والتقني والعمراني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي في الحياة، ويتسافل في إنسانيته ويهبط من عليائها حتى ينسلخ منها ويسقط في هوة الحيوانية السحيقة وليكون أسوء من إبليس فيما يفعله من الشر وتدمير الحياة الإنسانية على وجه الأرض.
النتيجة الثالثة: أن مساحة المسؤولية للإنسان وفق منهج الخلافة الإلهية تتسع لتشمل جميع جوانب الحياة وكل قضايا المصير والتحدي والصراع في الحياة على مستوى الدين والدنيا.
يقول الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق: ”واعلم رحمك الله: أن لله عليك حقوقًا محيطة بك في كل حركة تحركتها، أو سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلبتها، أو آلة تصرفت بها، بعضها أكبر من بعض” (الصحيفة السجادية).
النتيجة الرابعة: أن الإنسان المؤمن الذي يتمسك بخط الخلافة الإلهية ومنهجها في الحياة يعيش الأمل دائمًا، ولا يعيش الإحباط النفسي والروحي أمام التحديات والقوى العدوانية المضادة، ولا يمكن أن يتسرب اليأس إلى نفسه مهما كانت الظروف والصعوبات التي تقف في وجهه، لأن أبواب الفرج مع القدرة الإلهية مفتوحة، ولأن اليأس نقيض الإيمان {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} ويعتبر اليأس من الكبائر في عقيدة المسلمين، وهذا يتطلب من كل مؤمن بخط الخلافة الإلهية أن يدرس الواقع والصعوبات، ويبحث عن المخارج والثغرات الموجودة في الواقع والوسائل التي يمكنه الوصول إليها بهدف الإصلاح، وأن يتحلى بالتقوى والصبر والمثابرة في البحث والتخطيط والجهاد، ويتوكل على الله عز وجل حتى يحصل على الفرج ويبلغ مبتغاه في الحياة.
قال الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} (الطلاق : 2 ـ 3).
وهذا ما يفعله الشهداء بالضبط والحقيقة، فالشهداء إنما يعيشون بشهادتهم الأمل في الإصلاح، وليس اليأس كما يفهمه البعض خطأ، فلو كان الشهداء يشعرون باليأس من الإصلاح أمام الواقع المنحرف الصعب، ويرون أن لا أمل في إصلاحه، لما ضحوا بأنفسهم، لأن تضحيتهم بأنفسهم مع يأسهم من إصلاح الواقع الصعب الفاسد والمتخلف هي تضحية بدون ثمن، فتضحيتهم بأنفسهم دليل على أنهم يثقون بربهم جل جلاله أشد الثقة، ويتوكلون عليه حقيقة التوكل وأجداه، وأنهم يعيشون الأمل ويتوقعون تغير الواقع وإصلاحه من خلال العمل والتضحية والفداء، ولهذا استشهدوا، وأن الذي يعيش اليأس والضعف والتخلف الروحي والأخلاقي هو غيرهم لا هم.
فلسفة الجهاد
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الشهادة في ظل الخلافة الإلهية للإنسان (2)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
أهمّ عناصر النصر (1)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
معنى (فتر) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ممتنع الوجود
الشيخ محمد جواد مغنية
الجهاد من الإيمان
السيد عبد الحسين دستغيب
تهافت الذهنيّة الإقصائيّة للحداثة
محمود حيدر
لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
عدنان الحاجي
بين العالم والرّوح العلميّة
الشهيد مرتضى مطهري
منشأ كلّ آفة نبتلي بها هو غفلة بواطننا!
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
(نصوص من ضوء) أمسية أدبيّة لتوقيع مجموعة إصدارات جديدة
فلسفة الجهاد
الشهادة في ظل الخلافة الإلهية للإنسان (2)
أهمّ عناصر النصر (1)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (7)
ورشة في فنّ الدّيكوباج، تمكين سيّدات من ذوات الإعاقة في برّ سنابس
بشارة الشهادة
(قلب على رقاقة) نابض، قد يساعد في مكافحة السبب الرئيسي للوفاة في العالم
معنى (فتر) في القرآن الكريم
ممتنع الوجود