فجر الجمعة

النص الكامل لخطبة الشيخ عبدالكريم الحبيل

 

تحدث سماحة الشيخ عبد الكريم الحبيل خلال خطبة الجمعة لهذا الأسبوع أمام حشد من المصلين في مسجد العباس في الربيعية متطرقا فيها إلى الآية القرآنية "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

 

قال تعالى في محكم كتابه الكريم منوها برسالة نبينا محمد (ص) ومنوها بمقامه وعلو منزلته وعظيم قدره، قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" 107 - الأنبياء، أرسل الله سبحانه وتعالى نبيه المصطفى رحمة للعالمين، فرسول الله (ص) تجلي لرحمة الله، ورحمة الله وسعت كل شيء، الله سبحانه وتعالى وسع كل شيء رحمة وعلما، ورسول الله (ص) هو الذي إختاره الله ليكون رحمة للعالمين، ولفظ العالمين لفظ يشمل جميع العوالم ورسول الله (ص) أرسل إلى عالم الإنس كلهم يعني البشرية جمعاء، أرسل إلى الإنسانية كافة، كما أنه أرسل إلى عالم الجن والقرآن الكريم قد تحدث عن ذلك وأن رسول الله (ص) قد حضر إليه الجن واستمعوا لذلك القرآن الكريم، وكان يتلو القرآن عليهم وذهبوا إلى قومهم منذرين، كما أن رسول الله (ص) رحمة للعوالم الأخرى هو رحمة حتى لملائكة السماء الذين هم مظهر رحمة الله سبحانه، رحمة لكل البشرية جمعاء، ولكل الإنسانية جمعاء ولكل العوالم فهو رحمة الله للعالمين، والله وسع كل شيء رحمة وعلما، فرسول الله (ص) عمّ العالمين جميعا برسالته وبرحمته الكبرى، فهو تجلي لرحمة الله سبحانه وتعالى على العالمين جميعا، وهذه الرحمة اللطيف في هذه الآية المباركة "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ" 106 - سورة الأنبياء.

 

أن ظهور سيدنا ومولانا صاحب العصر والزمان المهدي الموعود المنتظر (عج) الذي سيملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملأت ظلما وجورا هو من مظاهر الرحمة المحمدية، لأنه يأتي بعد هذه الآية "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" يعني أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، تأول لعباد الله الصالحين، تأول إلى حجة الله الأعظم، إلى من يختم الله به، وهو الإمام الموعود المهدي المنتظر، تلك أيضا البشارة، وذلك الظهور هو من رحمة المصطفى محمد (ص)

 

"وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" 105 - سورة الأنبياء. هذه البشارة التي بشر الله بها عباده المؤمنين على لسان الإنبياء والمرسلين وجاءت بها كتب الانبياء والرسل الذين سبقوا نبينا (ص) وهذه البشرى في الزبور، زبور داوود والذي يسميه أهل الكتاب اليوم بالمزمور وهو الآن جزء من كتاب العهد القديم يعني من التوارة جزء من التوراة، يقال له المزمور، وهي مزامير داوود التي عرفت بمزامير داوود وسميت في القرآن الكريم بزبور داوود لازالت هذه المعنى موجود لم يغير لم يحرّف، في المزمور هذه المعاني أو هذه أيضا الكلمات، قال في المزمور "لإن المتبركين بالله سيرثون الأرض وسينقطع اثر من لعنهم" وقال كذلك في نفس المزمور "إن الصالحين سيرثون الأرض وسيسكنون فيها إلى الأبد" وقال كذلك في نفس المزمور "إن الله يعلم أيام الصالحين وسيكون ميراثهم أبديا"، إذا هذه الحقيقة التي صرّح بها القرآن الكريم ونوه بها بأن وراثة الأرض لعباد الله الصالحين وقال بأننا قد "كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ" هي موجودة في الزبور ولا زالت إلى اليوم.

 

وتلك الرحمة المحمدية التي ظهور صاحب العصر والزمان من مظاهرها لا تتحقق إلا بتوحيد الله سبحانه وتعالى وإرادته وبتحقيق الإسلام المحمدي الأصيل حتى تنال وتدرك وتعرف رحمة رسول الله (ص) لابد أن تلتزم بتعاليم الشريعة الإسلامية السمحاء، ولابد أن تدين بدين محمد (ص) ولابد أن تتقيد بتلك الشريعة المحمدية ولهذا قال تعالى بعد آية الوراثة التي هي من مظاهر الرحمة المحمدية: "إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ" 106 - سورة الأنبياء يعني أن ذلك ينال بالعبودية لله وبوحدانيته، ثم قال ايضا بعدها "قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (108) - سورة الأنبياء، إذا كنتم تريدون أن تنالوا الرحمة المحمدية وتريدوا أن تعيشوا في تلك الأرض بوراثة عباد الله الصالحين وتأول الأرض إلى عباد الله الصالحين، والحاكمية والولاية لعباد الله الصالحين لابد من طاعة الله والتقيد بشرع الله سبحانه، وعبادة الله حق عبادته والإلتزام بتوحيد الله وتحقيق تعاليم الإسلام الحنيف.

 

هذه مظهر من مظاهر الرحمة المحمدية، رسالة السماء رسالة الإسلام ووراثة الأرض لعباد الله الصالحين، وتحقيق العدل والقسط على وجه الأرض كل الأرض، إلا أن رسول الله (ص) كان رحمة لكل الناس وفي كل حياته وسلوكه، في أخلاقه حيث أن السماء مدحته، مدحه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ" 4 - سورة القلم، وهو ذاك الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق، ومكارم الأخلاق هي رحمة الله سبحانه وتعالى، هي تجليات رحمة الله سبحانه وتعالى، عندما تلتزم بمكارم الأخلاق وتبتعد عن كل الرذائل فأنت هنا نلت رحمة الله وحققت مظهر رحمة الله في الأرض.

 

رسول الله (ص) بعث ليتمم فينا مكارم الأخلاق، وجاء بذلك الخلق العظيم الذي جسده في كل حياته وسلوكه فكان (ص) مظهرا من مظاهر الرحمة والعظمة والنبل والكرم والعزة والشجاعة والعفاف والطهر والطاعة والبذل والسخاء أينما ذهبت إلى مكارم الأخلاق فرسول الله (ص) هو في أعلى عليين منها لانه لا يمكن لأحد أن يكون أشجع من رسول الله ولا أكرم من رسول الله ولا أسخى من رسول الله (ص) ولا أفضل من رسول الله في أي فضيلة من الفضائل، وتتدفق تلك الرحمة على المؤمنين، قال تعالى: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" 128 - التوبة، تلك الرحمة تنجاب عن رسول الله (ص) فيعم بها البشرية والإنسانية جمعاء ويلمسها ويراها من عاشوا مع رسول الله (ص) ومن يقرأ اليوم سيرة رسول الله ومن يتدبر تعاليم الإسلام الحنيف، لإن من مميزات الشريعة الإسلامية السمحاء من مميزاتها بل من مقومات التشريع الخلق الرفيع العظيم، تدرك ذلك الخلق العظيم إذا قرأت الإسلام قراءة بتدبر وتمعن تدرك تلك الأخلاق الرفيعة حتى في العبادات والتشريعات، كرامة من الله سبحانه وتعالى، هذه العبادة كرامة، هذه العبادة سمو هذه العبادة خلق ونبل عظيم الله سبحانه وتعالى ما شرّع شريعة عبادة لنا إلا وتتجلى فيها الأخلاق، منذ بداية أن يأتي هذا الإنسان ويستهل حين ولادته وخروجه من بطن أمه إلى أن يودع في قبره، تشمله التشريعات الإسلامية بأعلى مراتب السمو والنبل والخلق الرفيع، منذ أن يولد تجرى عليه السنن والآداب، وهكذا يربى على الآداب والأخلاق وتعاليم الإسلام الحنيف ويتعلم العبادات التي هي مظهر للأخلاق والنبل، هذا اليوم، هذا الآن إجتماعنا هذه عبادة، هذه صلاة الجمعة، ها نحن جالسين في مجلس واحد وفي رحاب بيت الله وعلى طاعة الله ومحبة الله بتآخي، بسلام بمودة بتراحم بمحبة فيما بيننا، هذه مظهر من مظاهر الخلق العظيم بإنقياد إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى الله وحسب سبحانه وتعالى، وإلى أن يودع ذلك الميت في قبره يؤخذ تجري عليه السنن يغسل، يحنط، يكنف يصلى عليه، يودع في قبره بأدب وأحترام، تقام عليه المراسم ومراسم العزاء، وهكذا في رحلة أخلاقية نبيلة رفيعة تشمل وتعم وتمس كل حياة هذا الإنسان منذ ولادته إلى أن يودع في قبره في كرامة وخلق رفيع.

 

 

تلك الرحمة الإلهية كما قلنا هي رسول الله فيض الرحمة الإلهية، في العبادة، في التشريع، في العلم، في المعرفة، في التزكية، فإن رسول الله (ص) "دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى" 8-9، سورة النجم، دنا من العلي الأعلى، دنا حيث لم يمكن لنور لمن دنا، فقربه رب الجلال وكلمه، دنا من الله، دنو بأن كان قاب قوسين أو أدنا، فلما دنا ذلك الدنو تدلى، وخذوا لفظة تدلى، والتدلي هو للشجرة حينما تحمل الثمار وتكبر ثمارها وتصير الثمار في حالة النضج وتثقل الثمار وتصير الأغصان لا تتحمل ثقل الثمار فتتدلى الأغصان بثمارها، رسول الله (ص) تحمّل تلك العلوم لما دنا تحمّل كل تلك المعارف، وتحمل كل تلك الأخلاق والسمو والنبل والرفعة والمكارم والمعارف الإلهية الكبرى فتدلى على البشرية جمعاء، بل تدلى على العالمين جميعا فصار رحمة للعالمين.

 

والإنسانية تقطف من ذلك التدلي، تريد علم تقطف من رسول الله، من عطاء رسول الله، تريد رحمة، تريد نبل، تريد شجاعة، تريد كرم، تريد سمو، تريد طاعة، تريد سياسة، تريد حكمة، أيا كان أنت تقطف من ذلك التدلي الإلهي الذي تدلى به رسول الله بعد أن كان قاب قوسين أو أدنا.

 

ثم حينما نريد أن نتحدث عن رحمته الكبرى أو عن سلوكه وتعامله مع الناس، تجد عظيم الأخلاق الذي كتبها عنه أصحابه وأهل بيته، رسول الله (ص) جعله الله سبحانه وتعالى رحمة، رحمة في حياته ورحمة حتى ما بعد مماته "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" 33 - سورة الأنفال، جاء في الرواية عن رسول الله (ص) وكذلك في الأثر عن أهل البيت "إن الله اذا أراد بقوم شرا رفع نبيهم عنهم إلى السماء، وإذا أراد بقوم خيرا أودع جسد نبيهم عندهم في الأرض"، فوجود رسول الله، جسد رسول الله الوجود المبارك لرسول الله عندنا في الأرض هي رحمة، ولهذا أنت تصلي في كل صباح من المستحبات "اللهم صلّ على محمد وآل محمد الأوصياء الراضين المرضيين بأفضل صلواتك وبارك عليهم بأفضل بركاتك والسلام عليهم وعلى أرواحهم وأجسادهم ورحمة الله وبركاته"، أنت تسلم حتى على تلك الأرواح وعلى تلك الأجساد الطاهرة المودعة عندك هنا، إيداعها، وجودها رحمة للإنسانية جمعاء.

 

ورسول الله رحمة، جاء عندنا في المستحبات لمن كانت له حاجة وتعسرت ولم تقضىن يستحب له أن يذهب للمدينة المنورة ويصوم ثلاثة، وهذا من الصيام الجائز في السفر لأن الأصل أن الصوم لا يجوز في السفر ما لم يقم، لا هذا يجوز لك أن تصوم حتى بدون إقامة وتبدأ صيامك من يوم الأربعاء وتختمه بالجمعة تصوم الأربعاء والخميس والجمعة وهناك تذهب إلى الروضة الشريفة ولها أدعية خاصة تتوسل برسول الله (ص) وتستمطر الرحمة من رسول الله (ص)، وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمالِ اليتامى رحمة للأرامل، ذلك رسول الله الرحمة تستمطر رحمته تتوسل به والله سبحانه وتعالى ببركة الحبيب لأنه لا توجد هناك وسيلة أعظم وأعز وأجلّ وأكرم من محمد وآل محمد، "وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا" 64 - سورة النساء، تجد التوبة لله ورحمة الله بمجيئك إلى رسول الله واستغفارك، وتطلب من رسول الله وتسلم عليه وتطلب منه أن يستغفر لك الله ويستغفر لك رسول الله، وهذه الآية أتصور أن القرآن خالد إلى يوم القيامة أو إنتهت هذه الآية بموت رسول الله؟ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ" بس وأنت حيّ؟ وهل هذه الآية خلاص بطل مفعولها؟ لأن بعضهم يشيع في المسلمين ويخطب في مساجد المسلمين أن الذهاب إلى المدينة المنورة بقصد زيارة رسول الله شرك مو بس حرام، ساعات تقول حرام، ساعات تقول شرك!

 

إذا هذه الآية بطل مفعولها بعد خلاص إنتهى مات رسول الله بطل مفعول هذه الآية، وتتوسل برسول الله، تتوسل به إن كان حيّ إذا مات خلاص ما تتوسل به! كأن للحي نفع أو مضرة، لا منفعة لحي الحي لا ينفع ولا يضر إلا بالله، ما في فرق بين حي ولا ميت، الذي بيده النفع والضر من هو؟ الله سبحانه وتعالى هو مالك النفع معا والضر، ورسول الله إذا حي تتوسل به وإذا ميت ما تتوسل به؟ إذا الله سبحانه وتعالى ما أعطى محمد تلك الكرامة، ما في فرق بين حيّ ولا ميت، وإذا أعطاه تلك الكرامة فهي باقية له حيّ أو ميت، وأنا أتوسل بمقام رسول الله، بمنزلة رسول الله، بشأن رسول الله، بنبوة رسول الله، بعظمة رسول الله، هل هذه إنتهت أو لازالت باقية؟ مقامه، عظمته، منزلته، قداسته، رفعته، علو شأنه، لا زال باقيا أو إنتهى؟ أو أنت تتوسل بلحمه وعظامه؟ تتوسل بما له من مقام بما له من رفعة "يا وجيها" له وجاهة "يا وجيها عند الله إشفع لنا عند الله" وهذه الوجاهة لازالت باقية رحمة، رسول الله كل وجوده رحمة، كل حياته رحمة، وبعثته رحمة، وجوده رحمة، رحمة للعالمين جميعا.

 

 

نحن كل شيء نفعله في حق رسول الله يعود بالرحمة لنا، تلك الصلوات التي نعلي أصواتنا بها هي تعمنا، تشملنا جميعا تعود علينا بالرحمة، رحمة من الله سبحانه وتعالى، في يوم الخميس عصرا تنزل ملائكة بصحائف من نور وأقلام من ذهب لا يكتبون إلا الصلاة على محمد وآل محمد.

 

أما الحديث عن فن تعامل رسول الله وسيرة رسول الله (ص) ورفيع أخلاق رسول الله، فذاك حديث طويل طويل في تعامله مع أصحابه، في سيرته مع أهل بيته، في سيرته مع خدمه، في سلوكه في الحرب، في سلوكه في المسجد، في سلوكه في السفر، في الحضر، في منهج حاكميته، أخلاقه كحاكم، أخلاقه كنبي، أخلاقه كأب، أخلاقه كصاحب، أخلاقه كزوج، أخلاقه تلك قد كتب فيها الكثير وحري بنا ونحن في أيام رسول الله هذه الفترة في يوم وفاة رسول الله  الثامن والعشرين من صفر إلى يوم ميلاد رسول الله وهو اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول أن نجعل في هذه الأيام وهي التسعة عشر يوم تقريبا، أن أجعل القراءة عن أخلاق رسول الله، حياة رسول الله، سلوك رسول الله، صفات رسول الله، أجعل هذه الأيام تسعة عشر يوم أو عشرين يوم أخليها لرسول الله (ص) وأتعلم من سيرة رسول الله (ص)، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لإتباع رسول الله، ولإتخاذ رسول الله  أسوة حسنة ونتعلم من أخلاقه ونبله وفضائله (ص) في مثل هذا اليوم، في اليوم الثامن والعشرين من شهر صفر يشتد الحال برسول الله (ص)، وترتفع عنده الحمى حتى كان يفيق تارة ويغشى عليه أخرى، وكان في أهل بيته فاطمة، علي، الحسن، والحسين أهل البيت من حوله، تدخل عليه فاطمة الزهراء وتراه في تلك الحال فتقرأ أبيات عمها أبي طالب وكانت تعلم أن تلك الأبيات يحبها رسول الله وكانت إذا كانت تقرأ عليه يتهلل وجهه فرحا فقرأت لتهون عليه وتخفف عليه "وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمالِ اليتامى عصمة للأرامل"، فلما سمع صوتها المبارك وسمع تلك الأبيات قال لها يا فاطمة إن تلك الأبيات قالها عمك في مناسبة فرح وسرور ولكنك اليوم في يوم حزن وأسى، هل لقرأت قوله تعالى: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ" 144 - آل عمران، فإشتد حزنها وبكت وارتفع صوتها بالبكاء ولازال رسول الله (ص) على تلك الحال وإذا بالباب يطرق

فقامت فاطمة الزهراء تقول من في الباب يخاطبها غريب طرق الباب ثلاثا، فقال رسول الله إفتحي الباب يا بنية إن هذا ملك الموت، جاء ليستئذن عليّ بالدخول، ولم يستئذن على أحد قبلي ولن يستئذن على أحد بعدي، فقرأ على رسول الله "إن الله يخيرك بين الحياة والموت"، فقال له إنتظر حتى يأتي حبيبي جبرائيل، نزل جبرائيل قرأ على رسول الله قوله تعالى: "وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ" 4-5، سورة الضحى، قال يا ملك الموت إمض فيما أمرت به، فأخذ ملك الموت يقبض روح رسول الله وكان رأسه في حجر علي فانقبضت يمينه وشماله، مد يديه ورجليه، أغمض عينيه،  أطبق فاه، عرق جبينه، سكن أنينه، وفاضت روحه المقدسة، أخذها علي بيده اليمنى ومسح بها وجهه وصدره ونعى رسول الله إلى المسلمين، أي وامحمداه وارسول الله عظم الله أجورنا وأجوركم.

 

ألا وإن أحسن الحديث وأبلغه كتاب الله، أعوذ بالله من الشيطان الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم "وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*   إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ*وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.