علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. حسن أحمد جواد اللواتي
عن الكاتب :
طبيب وكاتب ومترجم، صدر له كتاب (المصمم الأعظم: قراءة نقدية في كتاب التصميم العظيم للبروفيسور ستيفن هوكنج)، كما ترجم الرواية الفلسفية (البعد الضائع في عالم صوفي) للمؤلف محمد رضا محمد اللواتي ونشرت الرواية في الولايات المتحدة الأمريكية. [email protected]

العلوم الطبيعيَّة والوجود المجرَّد (1)


د. حسن أحمد جواد اللواتي

يعلمُ أيُّ طالبٍ لم يُحرز تخرجه في كلية العلوم أنَّ معيار نطاق العلوم الطبيعية هو ما يُمكن مُلاحظته من الحواس، وقياسه بالأجهزة، وإخضاعه للتجربة، وما خلا ذلك فليس من شأن العلوم الطبيعية، وهو أمرٌ صحيحٌ لا غُبار عليه، ولا يكاد يختلف في ذلك اثنان، ولكن عندما يَدَّعي أحدهم أنَّ الوجود منحصر بما يُمكن للعلوم الطبيعية أن تتعامل معه بالوسائل المذكورة، فإنه يحصرُ الوجود في الطبيعة والوجود المادي المحسوس، ولازم هذا الكلام نفيُّ أيِّ وجود آخر خارج نطاق الطبيعة والمحسوس بالحواس والأجهزة، وهذا -كما يتضح- ادعاءٌ غير قائم على أساس علمي، فضلًا عن قيامه على أي أساس عقلي؛ فنفس الادعاء بأن "الوجود منحصر بالمادة والطبيعة" لا يُمكن إخضاعه لمقاييس البحث الطبيعي والعلمي، وليس شيئًا يمكن رصده بالأجهزة أو مراقبته بالحواس لنا، فهو مخالف لمضمونه أولاً وأخيرًا.
ولكن ليست هذه هي العقبة الوحيدة أمام هذا الادعاء، مع أنها كافية جدًّا لتبيان بطلانه؛ فكثير من الأمور التي تتعامل معها العلوم الطبيعة تستعصي دراستها بالعلوم الطبيعية.
خُذ مثلًا مفهوم "المادة"؛ فمع أنَّ العلوم الطبيعية لا تتعامل مع أي شيء غير مادي -وهذا الادعاء السابق ذكره ينفي وجود شيء خارج إطار المادة- إلا أنَّ نفس ماهية المادة غير معروفة، وكل ما يُمكن التعامل معه علميًّا هو خصائص المادة المحسوسة والخارجية. وبمصطلحات الفلاسفة؛ فإنَّ جَوْهر المادة الفيزيائية ليس في متناول يد العلوم الطبيعية، وإنما فقط عوارضها الخارجية الممتثلة في صفاتها التي يُمكن رصدها وملاحظتها بالحواس والأجهزة، ونفس الإشكال يجري في العديد من المفاهيم الفيزيائية؛ من قبيل: الطاقة ومجالاتها، والأمواج، والأجسام…وما إلى ذلك.

إلا أنَّنا لن نتوقَّف في مناقشة هذه الفكرة (وهي انحصار الوجود في الوجود المادي والطبيعة، وعدم وجود أي شيءٍ خارجها) على هذه الإشكالات الأولية والتي هي نقضيَّةٌ بطبعها، وإنما لنحاول أن نبحثها بمنهج حَلِّي (لا نقضي).
فمن المعروف بالمنطق أنَّ القضية الموجبة الكلية تنتقض بالسالبة الجزئية (1)، وأنَّ السالبة الكلية تنتقض بالموجبة الجزئية؛ فمثلاً في قولنا (كل البجعات بيضاء) -وهي قضية موجبة كلية- فإننا لو وجدنا بجعة واحدة فقط سوداء (أو بلون غير أبيض)، لصح أن نقول (ليس بعض البجع أبيضَ) وهي سالبةٌ جزئية؛ وبالتالي يثبُت خطأ القضية الموجبة الكلية (كل البجعات بيضاء)، وكذلك لو قلنا (لا شيء من الحيوانات يأكل النباتات) وهي قضية سالبة كلية، فإنَّنا لو وجدنا فرداً واحداً من الحيوانات يأكل النباتات لصح أن نقول (بعض الحيوانات يأكل النباتات)؛ وعليه يثبُت خطأ وكذب القضية السالبة الكلية (لا شيء من الحيوانات يأكل النباتات).
وفي موضوع بحثنا، نستطيع أن نصيغ قضية كلية من الادعاء الذي نناقشه؛ فبإمكاننا أن نصيغ موجبة كلية (كل الوجود مادي) [أو سالبة كلية (لا شيء من الوجود غير مادي)] ومعناها واحد؛ فإذا استطعنا أنْ نثبت أنَّ هناك شيئاً واحداً فقط على الأقل غير ماديٍ في الوجود؛ لكان ذلك كافياً لإثبات خطأ الادعاء المذكور؛ حيث تكون (بعض الوجود غير مادي) [أو (ليس بعض الوجود ماديًّا)] هي القضية الجزئية المطلوبة لإثبات خطأ القضية الكلية؛ فهل نستطيع إيجاد شيءٍ يمكننا إثبات كونه غير ماديٍ؟

العلم: ماديٌّ أم غير ماديٍّ؟
أفضلُ ما يتم طرحه كموجود غير مادي هو العلم: هل العلم أمرٌ ماديٌ مثله مثل أي شيءٍ مادي حولنا، أم أنه مجردٌ عن المادة؟ سنمهِّد ببضع مقدِّمات منهجية أولاً.
هل العلم شيءٌ حقيقيٌ، أم أنه أمرٌ اعتباريٌّ لا حقيقة له؟ إنْ قُلنا إنَّ العلم وَهْم لا حقيقة له، للزم من ذلك أن العالم والجاهل سواء، ولا فرق بينهما إلا مجرد اعتبارٍ واتفاقٍ وتسالمٍ مثل ألوان إشارات المرور. لسببٍ ما، نَصِفُ أحدهم بأنه عالم ونَصِفُ الثاني بأنه جاهلٌ، لا لوجود فرق حقيقي بينهما، وإنما لأننا اتفقنا فقط على ذلك، وكان بإمكاننا أيضاً أن نتَّفق على العكس؛ فنَصِفُ الأول بالجاهل والثاني بالعالم. فهل هذا أمرٌ مقبولٌ؟ لا أعتقد أنَّ من تكبَّد عناء قراءة هذه المقالة الممِّلة، ووصل إلى هذا السطر بالتحديد منها، يقبل ذلك، وإلا لما كلَّف نفسه هذه المشقة، وفضَّل أن يفعل شيئًا حقيقيًّا آخر مثل شرب قدح من القهوة، ولكن لأنَّ العلم شيء حقيقي وذو وجودٍ خارجيٍ واقعيٍ، فإنه شيءٌ يدَّعيه كل أحد حتى الجاهل، ولو لم يكن في العلم حقيقةٌ لما فعل ذلك، إذن الخلاصة أنَّ العلم له واقعٌ خارجيٌّ حقيقيٌّ.

معيار التصنيف: كيف نصنِّف الأشياء إلى مادية وغير مادية؟ وما هي المعايير التي نستخدمها لذلك؟ الجواب هو ماهيات تلك الأشياء وذواتها.. تعرَّف الماهية على أنها ما يُقال في جواب السؤال: "ما هو؟"؛ فحين نسأل: ما هو الإنسان؟ فإن الجواب الذي يقدَّم عادة "حيوان ناطق" هو ماهية الإنسان ويعبِّر عن الماهية أيضًا بذات الشيء؛ إذن من خلال التعرُّف على ماهية الشيء سنعلم إن كان ماديًّا أو مجردًا، بَيْد أنَّنا نُواجه هنا مشكلة في التعرُّف على ماهية الأشياء بشكل منطقي؛ فالتعرف على ماهية الأشياء "متعسِّر، بل متعذِّر" بتعبير علماء المنطق، ولو بحثت في كتب المنطق عن أمثلة للماهيات غير عبارة "الإنسان حيوان ناطق" لما وجدتها، على الأقل لم أجدها أنا، والسبب هو أننا لا نملك أدوات كافية للتعرُّف على ماهية الأشياء، نعم نحن نستطيع وجدانًا أن نتعرَّف على بعض الأشياء وماهياتها كتعرفنا على أصناف وأفراد الحيوانات المختلفة، ولكن يصعُب علينا أنْ نعبِّر بألفاظ محدَّدة جامعة مانعة ماهيات تلك الأشياء، ولدينا أمثلة كثيرة على أمور اختلف في تصنيفها في مملكة الحيوان والجراثيم والجسيمات الذرية…وغيرها؛ لأنَّ ماهياتها غير معروفة لدينا، ولكن هناك حلول جزئية لمشكلة الماهية وهي كافية للوصول للغرض المطلوب من الماهية؛ ففي الحالات التي لا تكون ماهية الشيء معروفة تماما أو بعبارة علماء المنطق فإن تعريف الشيء "الحد التام للشيء (2) لا يكون متوفرًا" فإننا نلجأ إلى ما يُسمَّى بـ"الحد الناقص"؛ وهو عبارة عن تحديد خواص الشيء ومميزاته، ومن خلال دراسة الأشياء عقليًّا وتجريبيًّا، نستطيع أن نحدِّد خواصها المختلفة. وللتمكُّن من تصنيف العلم، فإنَّ علينا أن نقارن خواص العلم بخواص المادة، فإن تطابقت الخواص علمنا أنَّ العلم مادي، وإن اختلفت الخواص علمنا أن العلم غير مادي.

الهوامش:
1- مُحمَّد رضا المظفر، “المنطق”.
2- تنقسمُ المعلومات إلى: تصورية، وتصديقية؛ فتصورك للسماء والماء مثال على التصور الذي لا يقبل الصدق والكذب (الصحة والخطأ)؛ لأنه مجرد تصور لا حُكم فيه، ولكن حين تقول أو تفكر في أنَّ السماء زرقاء، أو أنَّ الماء سائل فتلك المعلومة تُسمَّى تصديقيا؛ لأنك حكمت على السماء بأنها زرقاء، وحكمت على البحر بالسيولة، وقد يكون حكمك صادقا أو يكون خاطئا (كاذبا بتعبير المنطق).

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد