علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

ضلالات الكوجيتو (1)

ربما هو القَدَرُ الذي سيحمل الفيلسوف الفرنسيّ رينيه ديكارت على اقتراف دابَّة العقل، ليجعلها خطّ الدّفاع الأوّل عن الإيمان المسيحي. والذين أدركوا ما اقترفه الرّجل، ربّما لنصحوه قبل فوات الأوان أن لا يفعل. وما هذا إلّا لأنّ حصاد الفعليّة جاء خلاف مقصود النيَّة. لكنّ القَدَرَ سيتمِّمُ رحلته ويستحثُّه ليتّخذ "الشكَّ المنهجيَّ" دربةً لمسعاه. وما كان ذلك إلّا لأجل أن يستدلَّ منطقيّاً على حقيقة الألوهيّة، ثم ليبلغ من طريق الاستدلال ضالَّة اليقين المعرفي.

 

من المبين أن نقول إنّ ديكارت لم يكن ليهتدي إلى "الكوجيتو" لولا أن غَلَبته شَقْوَةُ  فَقْدِ الوجود، ثم سعى ليعثر عليه عن طريق "الأنا" المكتفية بذاتها. الخَيارُ سيكون شاقاً، بل ويحتاج من المكابدة أقصاها. لقد وَقَعَ الرجلُ في معثرةِ الجمعِ المستحيلِ بين نقيضين غير قابلين للتواؤم في هندسات العقل الأدنى: الإيقان بالألوهيّة الذي لزومُهُ التّسليم والإيمان، والبرهان بالفكر الذي مقتضاه السؤالُ، والسّببيّةُ، والعلَّة المفضيةُ إلى ظهور المعلول والتعرُّف عليه.

 

لم يجد ديكارت ما ينفذُ به إلى مجاوزةِ هذه المَعْثَرة الممتدّةِ جذورُها إلى الميراثين الفلسفَييَنْ اليوناني والروماني، إلّا أن يلوذَ بـ "الأنا" لكي ينجز مبتغاه. وهكذا قرّر الرّجوع الى نقطة البداية؛ ليكشف لنا أنّ الشّيء الوحيد الذي كان واثقاً منه، أنّه هو نفسه كائن يشكُّ، وجوهرٌ يفكر. وها هنا يمكث الظنُّ الذي سيحمله على الاعتقاد بأنّ الإنسان ذهنٌ محضٌ، وأنّ معرفتَه بنفسه وبغيره منحصرةٌ بهذا الكائن العجيب الذي يسأل عن كلّ شيء، ويشكِّك بكلّ شيء.

 

بحسب فرضيّة "الأنا أفكر" يمكن أن يكون في فعل الشكّ معرفةٌ أكثر من اليقين المجرّد للذهن ولوجوده. إذ إنّ من يشكُّ يعرفُ أنّه لا يعرفُ تماماً بقدرِ ما يريد أن يعرف. وبالتالي لا بد أن يكون في ذهنه، على الأقل، شعورٌ ملتبسٌ عن كيفيّة المعرفة الكاملة، أي عن فكرة الكمال. ثم من خلال ملاحظة تلك الفكرة بإمعان، يغدو الشاكُّ واعياً أنّ في ذهنه حضوراً لفكرةٍ جديرةٍ بالملاحظة.. إنّها فكرة الكائن الكامل.. وبتعبير آخر، فكرةُ كائنٍ يمكن أن يحوي جميع الكمالات التي يمكن تصوّرها. إنّه - كما يفصح ديكارت في تأملاته - الله، الذي نفهمه ككائنٍ متعالٍ، أبديّ، لا متناهٍ، ثابتٍ، عليمٍ، قديرٍ، مخالفٌ كل شيء خارج ذاته. ثم يتساءل في حَيْرة: ولكن ما هو مصدر هذه الفكرة فينا؟

 

بعرضِهِ لفكرته الأساسيّة ولهيكل نظامه الفلسفي، "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، يزعم ديكارت أنّه أنشأ أوّل قضيّة يقينيّة غير قابلةٍ للشك. ولعلّه في زعمه هذا سيبدو "فيلسوف يقين" حاول أن يعبر إلى يقينه بسفينة الشك. ربّما أخذته أسحار الرياضيات التي ظلّت تلازمه حتى آخر معاشه من أجل أن يعْثُرَ على فردوسه الضائع.

 

كان عليه أن يبتدئ من اللَّايقين، لينتهي إلى بداهة المعرفة اليقينيّة بالوجود. غير أنّ معثرته الابتدائيّة هي تلك التي كشفها في "التأملات". يقول: "أنا موجود.. يعني أنا لي وجود"، أمَّا إلى متى؟ يجيب: طالما أفكر.. ومتى ما توقّف تفكيري عن التفكير، لربّما توقّف الوجود ووجودي حينها.

 

إنّ قولاً كهذا، وإن جاء لتوكيد "مشروعيّة الكوجيتو"، إلّا أنّ تداعياته ستطال بالأذى مقاصده الأولى في الدّفاع عن الألوهيّة. ربّما لم يكن ديكارت يدرك، وهو يستظهر هذا التّأمّل، أنّه يؤسّس لعدميّةٍ صمَّاء، تلغي الكون كلّه حالما تنعدم "الأنا" التي كانت ترى موجودات العالم وتفكّر فيها...

 

في المعرفة الفلسفيّة لديكارت، الوجود اليقيني الأوّل كان "الأنا" المدركة ولا سواها. وهذه الرؤية، أي إثبات حقَّانيّة الوجود على أساس حاضريّة "الأنا" والأحكام الصّادرة منها، شكّلت لافتةً غير مسبوقةٍ في الفكر الفلسفيّ الحديث. مع هذه الحاضريّة سوف يستبدل مسار التّفكير الفلسفيّ لينتقل بنظريّة المعرفة من الحقائق العينيّة إلى مجرّد تصوّراتٍ ذهنيّةٍ صارمةٍ.

 

من هذا النحو بالذات، سوف يأخذ "ذهن الإنسان" في معرفة ديكارت معيارًا حاسماً للتعرُّف على نفسه والعالم؛ بمعنى أنّ الذهن هو الموضوع الوحيد الذي تُعتبر كلَّ الأشياءِ والعالم الخارجي وحتى الله من تمثّلاته وتصوّراتِه. في هذا الصدد: يقول ديكارت: "من حيث إن كل مفهوم هو فعل الذهن، فإنّ طبيعته هي أنه بنفسه لا يقتضي أن يكون صورة لأية واقعية، سوى أن يكون اقتباسًا من الذهن أو التفكّر".

 

طبقًا لقوله هذا، ستمضي منظومته الفلسفيّة إلى منح الأصالة للذهن في مقابل ميتافيزيقا الواقع التي تعتقد بـ "أصالة العين". أي بحقيقة الموجود الخارجي الظاهر في الواقع. بذلك يكون الذهن الذي تربَّع على عرش التفكير عند ديكارت هو الوحيد الذي ينبغي أن يحصِّل الحقائق الواقعيّة. ولسوف يصبح تقريره هذا أساساً "لمحوريّة تفكير الفرد الإنساني"، وللاستقلال المحض للفكر المتّكئ على الرياضيات والميكانيكا والطبيعيات بوصفها علوماً صحيحةً لا تقبل الخطأ...

 

ما من ريبٍ أنّ هذه الرؤية المضطربة في معنى الوجود عند صاحب الكوجيتو سوف تفضي إلى مشكلاتٍ جمَّة حيال القضايا الكبرى في الميتافيزيقا، منها على وجه المثال لا الحصر، أنّ الوجود في منظومة ديكارت دالٌّ على معنيين منفصلين لا يمكن جمعهما مطلقًا: الأوّل: اعتبارُه الوجود صفةً للشيء أو كحقيقةٍ صوريّةٍ للأشياء الخارجة عن نطاق الذهن، والثاني: أنّ لديه الوجود هو صفة للذهن، أو أنّه حالةٌ فكريّةٌ مرتبطةٌ بذهن الإنسان. والإشكال الذي يُطرح هنا هو أنّ هذين النوعين يرتبطان بوثاقٍ وطيدٍ بقانون العلّيّة؛ وذلك بسبب اعتقاده بعدم إمكانيّة تصوّر شيءٍ إلّا إذا كان متقوّمًا على حقيقة صوريّة، في حين أنّ الحقيقة الصوريّة للأشياء بحدّ ذاتها لا وجود لها في تصوّراتنا، باعتبارها مجرّد عللٍ أساسيّةٍ للحقائق الذهنيّة، أو لما يسمّى بالمعاني الدلاليّة للتصوّر.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد