علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (1)

لم تمُتِ الأيديولوجيا لتُولد مِن جديد. فهي على احتجاب وظهور دائمين. تنحجبُ حين يتوارى أهلها إثر انكفاء، وتنكشفُ في اللحظة عينها لدى أولئك الذين ظهروا في الملأ، غالبين أو مغلوبين. هي نفسها عند الغالب والمغلوب، تمنح مذهبها للجميع، وكلّ له منها نصيب. إنها واحدة في عالم الأضداد. الضدُّ ونظيرُه يلتقيان على المفهوم ويختصمان في استخدامه.

 

تحطُّ الأيديولوجيا في عالم الشعور من قبل أن تسري إلى عالم الفكر. لا يفعل الأيديولوجي في ملحمة التحيُّز سوى تحويل مشاعره إلى أفكار وأفكاره إلى مصالح. ولأن تشكيل الأفكار يتوقف على تشكيل الكلمات، فإن كل متحيِّز ماضٍ إلى إنشاء مختزنٍ من المفردات والاصطلاحات والرموز، يسدِّد بها نظامه الفكري ويؤهله لصدِّ الخصوم. إذ مهما كانت الأفكار سديدة ومحكمة البناء فلن تفلح في مقاصدها على الوجه الأتمّ، ما لم تحظَ بجاذبية العبارة وسحرها.

 

عند هذه المنزلة المخصوصة تحضر الأيديولوجيا لتفصح عن أفكارٍ يعجز العلم الموضوعي عن برهنة حقيقتها وشرعيتها. ذلك بأن قوة هذه الأفكار تظهر ـ كما يقول كارل مانهايم – من خلال نغمتها العاطفية وأسلوبها المحرِّر للجماهير…

 

حضور الأيديولوجيا في دنيا الإنسان كمثل حضور الجاذبية في فيزياء الطبيعة. الجاذبية غير مرئية ولكنها حاضرة في المنظومة الكونية. الأيديولوجيا كذلك على وجه الشَّبه والنشأة. لا تُرى.. إلا أنها تُستشعرُ، وتسيطرُ، وتقودُ، ثم تسري من غير انقطاع مع كل خاطرة وفكرة، ومع كل حدثٍ ومَيْلٍ إلى مصلحة. فهي إذن من الحتميات التي لا مناص منها للاجتماع الإنساني في اختلافه وتنوعه ووحدته. لا تنمو الأيديولوجيا إلا في أرض الاحتدام، ولذا فهي في احتياجٍ مستديم إلى ضدٍّ لها، وإلا فلن تكون.

 

لا بد من آخر يناظرها أو تناظره لكي تنفرد بعجيب قولها، وتسري بأهلها نحو أغراضهم وغاياتهم. والذين أعلنوا موتها في مستهل الألفية الميلادية الثالثة سيرجعون إليها القهقرى صاغرين. وَجَدَ هؤلاء لمّا فرغوا من أوهام الانقلابات الكبرى في نهاية القرن العشرين، أن للأيديولوجيا سرَّها المكمون. وأنها بالنسبة للمتحيِّزين أشبه بـ “قنبلة مزروعة في الرأس”.. وأن الجدل بشأنها ما لبث حتى عاد إلى حيويته القصوى. فإذا كان العالم الجديد مكتظًّا بالتخاصم، شأن ما سلف من عوالم، حقّ أن نرى إليها مذهبًا لكل منتمٍ إلى قضية أو متحيِّز إلى هوية. ولعلّ في قول المفكر الفرنسي ريمون آرون، “تكاد الأيديولوجيا أن تكون فكرة عدوِّي” ما يُعربُ بقوّة عن صورة عالم فرَّقه الاختصام.

 

لقد تخيَّرتُ وأنا أتهيَّأ لمقاربة الأيديولوجيا، ألَّا أبدأ من السؤال الرتيب عن معنى الكلمة لغة واصطلاحًا. ففي ذلك ـ على خالص الظن ـ ضربٌ من تواترٍ مملٍّ يرفع منسوب الضجر قبل أي قراءة. فلو تناهى إلى السامع سؤالٌ عن معناها انبرى إلى أجوبة لا عدَّ لها من التعريفات والأوصاف. غير أن السامعَ إياه لا ينفكّ يتنبَّه إلى أن ما سمعه هو أدنى إلى استفهام عن خطبٍ صار بديهيًّا مع الوقت. وحالئـذٍ لن يجدَ في نفسه حاجةً إلى التعرُّفِ عما هو معروف. فما يراد معرفتهُ معيشٌ، وكلُ معيشٍ معقولٌ ومدركٌ، وإن تباينت رُتَبُ تعقُّله وإدراكه بين حال وحال.

 

تلقاء الأيديولوجيا، نجدنا بإزاء تشكيل هندسي متعدد الوجوه، وكل وجه يصلح أن يكون بابًا للدخول إلى هذا الشيء الساحر الذي يدعى المصطلح. فالاستدلال عليه كوحدة معجمية، يتواجه على جاري العادة بعثرات جمّة، أبرزها:

 

1 . تعايشه مع وحدات اصطلاحية موازية لا ترتبط بمجال تخصصه 

 

2 . تعايش عدة معان داخل المصطلح نفسه 

 

3 . التغيُّر اللفظي والتكرار الإحالي اللذان يتاخمان نموه بصورة دائمة

 

إذا كان ما ذُكر يُشكل عقبة منهجية للاستدلال النظري على المصطلح، ففي مقام الأيديولوجيا يتضاعف التعقيد واللَّبس والاجتهاد، بسبب من تموضعه بين منزلَتيْ النظر والعمل.

 

كيف لنا إذًا، أن نقترب من مصطلح ارتبط بالإنسان ارتباط الاسم بالمسمى، وتعلَّقَ به تعلُّق الماهيات بعلة وجودها؟..

 

مبتدأ المشكل المعرفي، أننا غالبًا ما تعامَلنا مع الأيديولوجيا كما لو كانت خارج ذواتنا وهوياتنا. والحال خلاف ذلك على نحو كامل. الأقلُّون هم الذين تنبَّهوا إلى أننا لسنا بإزاء مفهوم مستقل عن ماهية الإنسان وهويته وأفعاله. فلو ابتنينا على هذا المقتضى، لقلنا إن منطق عمل الأيديولوجيا هو أدنى إلى غريزة، منه إلى مفهوم أُدرِجَ في العلوم الإنسانية كسائر  المفاهيم. وحين نُنسِّبُه إلى الغريزة فلأنها محرِّكُه الذي يعمل من خلف حجاب. فالإنسان مفطور على التفرد والانحياز والولاء. والفطرة على ما نعلم، سابقة على الفكرة، تحكمها وقلَّما تتحكم بها. لهذا جاز الكلام عما نسميه “فطرة الأيديولوجيا”، لكونها متأصِّلة في ذات حاملها ولا تفارقها البتّة. تتمدَّد حركة الأيديولوجيا في جوهر نشاط الكائن الاجتماعي، ولا يعوزها لكي تظهر إلى الوجود أن ترفع صوتها وتبعث برسائل وإشارات. ذلك بأنها تجري بصمت، وليست مستقلة عن الفرد، ولا عن الجماعة، ولا عن المنبسط الحضاري. فالتحيّز بين الناس يجري مجرى الدم في العروق. ثم لا يلبث المتحيِّز حتى يعلن عن نفسه بشغف، وهو يجوب عالم الاختلاف والاختصام…

 

الأيديولوجيا بهذه الخاصِّية هي عينُها فلسفة المتحيِّز. ولم نقصد إذ نضفي عليها نعتًا فلسفيًّا، إلا لنشير إلى ماهيتها كحقل خصبٍ للتفلسف. بهذه المثابة هي فلسفة عمل، إلا أنها ليست من سلالة الفلسفات المضافة، كفلسفة التاريخ، وفلسفة العلم، وفلسفة الدين، والفلسفة السياسية، إلخ.. فهي على الحقيقة فلسفة عملية تتحرك في سماء الكل. تتقدم على شكل موضوعات وقضايا، ثم تأتي الفلسفة لتمنح كل موضوع سَمْتَه الخاص.

 

خاصية الأيديولوجيا هي كمثل خاصِّية الفلسفة من وجهٍ ما. مشاغلها متعددة بقدر ما تتعدد القضايا التي تؤلف محاور اهتمامها. وعلى ما نعلم، فإن الخاصية الملحوظة لكل التعاليم الميتافيزيقية مهما كانت متشعبة، تنتهي إلى الالتقاء حول ضرورة البحث عن السبب الأول لكل موجود. كذلك هي خاصية الأيديولوجيا. فالقضايا التي تؤلف مدار نشاطها، تبقى موصولة بنقطة الجاذبية المتمثلة ببلوغ الغرض الأقصى الذي يتطلع الأيديولوجي إليه. والمعاينة الاستقرائية لتلك الطريقة تثبت أن نموذج الأفكار ومحتواها يمكن أن يتغير. ومع ذلك تبقى طبيعة العقل البشري هي نفسها في جوهرها، حتى بعد حصول تحول تام في الأحداث التي يفترض أنها انبثقت منها. هذا يبرهن ـ كما يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر إتيان جلسون (1884 ـ 1978) ـ في  كتابه “وحدة التجربة الفلسفية” أن الإنسان حيوان ميتافيزيقي بالطبع. أما خلفية مثل هذا التصعيد “الفوق أرسطي” للإنسان فعائدٌ إلى أنه ـ أي الإنسان ـ دائم التطلّع إلى ما هو فوق الحسّ، وما يتعدّى كيانه الفيزيائي.

 

ففي عقل المتحيِّز وقلبه يتحد البعدان الحسيّ والميتافيزيقي لينتهيا إلى أصلٍ واحدٍ وطبيعة واحدة. كما يعود بالنتيجة إلى أن ماهيّة الأيديولوجيا متعلّقة بماهية الإنسان تعلُّقًا ذاتيًّا. لها ما بالإنسان وعليها ما عليه. ولأنها إنسانية الطبع والطابع، فالتعرُّف على فصولها ومجال نشاطها يكون في منطقة التحيّز الزماني والمكاني للكائن الإنساني نفسه. وهذا النشاط هو مزيج من التركيب والتداخل بين المرئي واللّامرئي وبين الطبيعي والميتافيزيقي. من أجل ذلك وجدنا أنها كتلة وعيٍ مؤلَّفة من الأفكار والمعاني والمشاعر المنظورة وغير المنظورة. وهي بالتالي مخصوصة بكل بيئة اتخذت العمل الأيديولوجي مذهبًا لها. لهذا لا يسعنا، وسط النزاع المديد حول المصطلح، إلا أن نجتاز ذلك السيل العَرِم من التعريفات. ربما علينا أن نمضي في مثل هذا الاختبار المعرفي بعدما كفّت الأيديولوجيا عن أن تُعرَّف بمركّبها اللغوي (علم الفكرة) (Ideo-Logic). في مقام الاختبار تتوسع أرض المتحيِّز وتتعدد معاني ما ينجزه من كلمات وأعمال. فعلى هذه الأرض تنبري الأيديولوجيا لتعلن خطبتها، ثم لتؤكد صدق هذه الخطبة، ثم لا تعبأ بما لدى الملأ من نقد. فلو لم تنشأ الأيديولوجيا من أرض الضرورة التكوينية للطبيعة الإنسانية ما كانت لتوجد، وما كان لها كل هذه الجاذبية. ولذا وجب التعامل معها، والنظر إليها كقانون شأن قانون الجاذبية في عالم الطبيعة كما أسلفنا.

 

ماذا الآن عن المصطلح في بعده الزماني؟…

 

عطفًا على ما مرَّ معنا، وما قد يجيء لاحقًا، لم نجد للأيديولوجيا تاريخ ولادة، كما حال أي مفهوم أو مصطلح. لكن المشتغل بعالم الأفكار، وهو يسعى للعثور على مفاتيح لتفسير الظواهر والوقوف على منطقها الداخلي، جادٌّ في رؤيتها كجسم مفهومي. ولكي تستوي عمليات الفهم لديه على استقامة منهجية يروح يتوسل أقرب السبل لكي ينزلها قاموس المفاهيم. كذلك فعل عالمُ الاجتماع الفرنسي “دستوت دو تريسي” ( 1754 – 1836 ) لمَّا نحت كلمة الأيديولوجيا. فقد جعلها مفتاحًا يُستدل به على منطق عمل الأفكار في أحداث التاريخ. ثم عرَّفها بأنها علم حالات الوعي. أو العلم الذي يدرس مدى صحة أو خطأ الأفكار التي يحملها الناس في نشاطهم الاجتماعي.

 

مع تريسي (Tracy) صارت الأيديولوجيا من جنس المفاهيم. ثم راحت تشق طريقها وسط اعتراك لا مستقرّ له من التأويلات والأحكام. مع هذا ظلت على فرادتها، بصفة كونها نوعًا مفارقًا لأبناء جنسها. لقد اتخذت سبيلها لِتُجاوِرَ أكثر المفاهيم تعقيدًا وتتوغل فيها في الآن عينه. ولذا فلا انتهاء لزمانها بسبب من سَرَيانها الدائم، ومتاخمتها لكل حدثٍ ذي صلة بالنشاط العام.

 

تحلّق الأيديولوجيا فوق جميع العلوم، لأن العلوم ـ حسب دي بيران ـ ليست إلا أفكارنا وعلاقتها المختلفة، هذه الأفكار شبيهة بالبلد الممتد واللانهائي التنوع، المنقسم إلى مقاطعات عديدة، يوصلها ببعضها البعض عدد أكبر من طرق الاتصال، ولكن لكل هذه الطرق أصل واحد، بل إن أكثرها يبدأ من نقطة مشتركة ثم يتشعب فيما بعد. هذا الأصل الواحد، وهذه النقاط المشتركة، التي يجهلها المسافرون غالبًا، ما يأخذ الأيديولوجي على عاتقه مهمة أن يعلِّمها لهم بشكل أساسي. (م.دي بيران. العلاقات بين الأيديولوجية والرياضية، مؤلفات 3، 14 – 13).

 

الكلام المستحدث اليوم عما يسمى “عصر ما بعد الأيديولوجيا”، هو في واقع حاله وصفٌ لطور تالٍ من تبدَّياتها، وليس ختمًا لسيرورتها كما قد يُظن. فالعصر ما بعد الأيديولوجي هو استئناف لغريزة المتحيِّز ومنطِقِهِ بطرق ووسائل أخرى. فلئن انوَسمَت أزمنة الحداثة بالأدلجة، فلسبب يرجع إلى الإعصار الفكري الذي شهدته أوروبا لحظة صعودها القومي والاشتراكي ذي الطابع التوتاليتاري. أما المرحلة النيوليبرالية التي أطلقتها العولمة، فقد امتلأت أدبياتها بالأنباء العاجلة عن حرية السوق، والمجتمع المفتوح كبديل من الأيديولوجيات الفارطة.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد