
تمكث الأيديولوجيا بمحاذاة هذا الفهم، لأنها أكثر المفاهيم التي تنتجها الفلسفة، جمعًا بين البساطة والتركيب. فمن ناحية كونها مفهومًا بسيطًا، ليس للأيديولوجيا مصداق مادي بعينه. فالمفهوم البسيط ينطوي على استعدادات كثيرة لتوليد مصاديق شتى. وأما من ناحية كونه تركيبًا فلأنه يحمل من الصفات والمعاني ما يجعله حاويًا لوقائع وظواهر تبدو حال ظهورها متباينة ومتفاوتة ومتناقضة بصورة مذهلة.
لذلك لا تُدرَكُ ماهية الأيديولوجيا إلا بالتثنية. أي بالمقابلة بين شيئين وأكثر، أو بين شخص وآخر. كذلك تستظهرُ باتحاد الكلمات والأفعال. يحصل هذا إما على شكل تصور في الذهن، ، تنقله الإرادة بشغف حميم إلى وجود بالفعل.. وإما على نحو التمثيل لوجودات واقعية تحمل على التفكُّر بأمرها.
ولأن الأيديولوجيا بسيطة لا تُدرَك إلاَّ بالتركيب، فهي عالم صلاتٍ وعلاقات. وإذن، فهي مولود هذا العالم المتناقض والكثيف ولا تقوم إلّا به. أي عبر تفاعل الأجزاء الحية لذلك العالم. يمكن القول إن ثمة شَبَهًا بين الأيديولوجيا والعلاقة. فالعلاقة لا تحدث إلّا بين حدَّين وأكثر. وإن لم توجد الحدود فلا وجود لشيء اسمه علاقة. إن العلاقة ـ على ما تنظر الفلسفة الأولى ـ من أوهن مقولات الفكر بل إنها الأكثر زوالًا وتبدلًا. ومع ذلك فهي موجودة مع كونها غير قائمة بذاتها. بها تظهر الأشياء متحدة من دون أن تختلط، ومتميزة من دون أن تتفكك. وبها تنتظم الأشياء، وتتألف فكرة الكون.
إنها تقتضي الوحدة والكثرة في آن. هي واحدة، وكثيرة بحكم خصيصة الأُلفة التي حظيت بها بين البساطة والتركيب. على صعيد الفكر تربط (العلاقة) بين مواضيع فكرية مختلفة وتجمعها في إدراك عقلي واحد، تارة بسببية، وأخرى بتشابه أو تضاد، وثالثة بقرب أو بعد. وعلى صعيد الواقع فإنها تجمع بين أقسام كيان، أو بين كائنات كاملة محافظة عليها في تعددها. وإذ يستحيل تقديم توصيف محدد للعلاقة حيث لا وجود مستقل لها، فهي كالماهية من وجه ما، لا موجودة ولا معدومة إلّا إذا عرض عليها الوجود لتكون به ويكون بها. لذلك سيقول عنها أرسطو، إنها واحدة من المقولات العشر، وهي عَرَضٌ يظهر لدى الكائن بمثابة اتجاه. إنها صوب آخر، تطلُّع، ميلٌ، مرجعٌ، ويقتضي دائمًا لظهوره وجود كائنين متقابلين على الأقل. صاحب العلاقة وقطبها الآخر، ثم الاتصال بينهما. (من الموسوعة الفلسفية ـ معهد الإنماء العربي ـ إشراف: معن زيادة، مصطلح علاقة).
ديالكتيك المعنى والاستعمال
يصعب فهم معنى الأيديولوجيا بمنأى من الطرق التي يأخذ بها الناس لتدبير أحوالهم وقضاء حوائجهم.. كان فيلسوف الألسنية فيتغنشتاين يقول: “لا تسأل عن المعنى، انظر إلى الاستعمال”. وهو في ذلك يسعى إلى انتزاع المعنى من الأشياء عن طريق اختبارها، ومن الأحداث عن طريق وعي شروط حدوثها. هكذا يُنتزعُ معنى الأيديولوجيا، إذ يتبدَّى لنا في أفعالها وفي الاتجاهات المقصودة من هذه الأفعال. من خلال الاختبار تستظهِرُ الكلمات معناها، حيث تغدو في حقل الأفعال والانفعالات كينونة ضاجَّة بالحركة. ففي اللحظة التي تنجز فيها الكلمات مهمتها في الواقع، تروح تخلع رداءها القديم وحروفها المنصرمة. ثم ليقوم أولئك الذين تلقوها سمعًا وطاعة بإلباسها حروفًا جديدة وعبارات جديدة. فالفكرة ما إن تتمأسس حتى تفقد حيويتها، وبعدها لا تعود تناسب الطور الجديد الذي حلَّت فيه.
لا تهتم الأيديولوجيا بالتوصيف. فهي إن فعلت ووصَّفت المشهد فسترى نفسها وضدها في آن. لذا فهي تؤثر اجتناب الرؤية الدائرية للزمان والمكان الذي تعمل فيه، لئلا يلتبس عليها الأمر وتقع في الاضطراب. وإذا حصل ووقعت في مثل هذا الالتباس، فقد تستغرق في سوء الرؤية، فيلتبس الخطاب وتنكفئ قدرة الفاعل الأيديولوجي على ضبط توترها الداخلي، أو صون حياضها من استباحة الخارج.
ـ من طبائع الأيديولوجيا انحصار كلماتها في الواجب. على الدوام تدور خطبتها العصماء مدار الحقَّانية والرجحان. إنها والحقيقة من الرحم إياه. ولذا بدا أهل الأيديولوجيا على ثقة تامّة من حقانية خطبتهم، حتى حين تجري الوقائع على خلاف ما يقرأونه في الواقع. لهذا السبب يصبح التقرير الأيديولوجي أدنى إلى مقرَّرٍ يعادل “لحظة العقلنة” حسب المصطلح الفرويدي. أي عقلنة ما ليس بمعقول، وإدخاله من ثمة في مصلحة الجماعة. من مفارقات الخطبة الأيديولوجية وفي اللحظة التي تستعمل فيها لغة التوكيد على الـ “ما ينبغي أن يكون”، أنها تسعى لفهم الموجود بما هو موجود من أجل أن تصدر أحكامها. وبحكم طبيعتها الجامعة بين حكم القيمة وحكم الواقع، تستخدمُ العقلانية كوسيلة لإصدار الحكم على نحو أفضل. ربما لهذا سيلاحظ بول ريكور أن الأيديولوجيا هي الخطأ الذي يجعلنا نستبدل الصورة بالواقع، والانعكاس بالأصل”. ولنا هنا أن نزيد: متى كنا في دائرة المصلحة فلن يقع بَصَرُنا على شيء غير قابل للاستثمار. كل ما في خطبة المتحيِّز يؤول إلى تحويل الأشياء عن مواضعها لتصبح بعد هنيهة، حقائق متخيَّلة ترتدي مشروعية التحويل إلى حقائق واقعية.
مثل هذه الممارسة ليست ناتجة بالضرورة من وَهَنٍ مفترض، في تعقيل ثنائية الواجب والواقع، أو من قصور ذاتي في إدراك الخارطة التفصيلية لمجالات الاختبار. العقلاني متضمَّنٌ، غالبًا في “ميكانيكا الممارسة”، لكنه يختفي تحت ضغط الرغبة في إيصال لغة “الما يجب” إلى حقل الغرائز. ينطوي العقلاني انطواءً إلزاميًّا ضمن عمليات التخطيط المدروسة في الممارسة الأيديولوجية، فلا يفارقها البتة. ذلك أنه يتعلق بتلك الممارسة تعلقًا ذاتيًّا بوصفه جزءًا منها، ونسقًا فاعلًا في إنجاز أهدافها. وفي سياق اشتغاله على ترسيخ منظومته الفكرية والثقافية لإبطال حجة الخصم، يُقدِمُ الفاعلُ الأيديولوجي على الأخذ بناصية “المعرفي العقلاني”، تفاديًا لاقتراف حكم مجرد عن البرهان. وذلك ضربٌ من “المواجهة بالحيلة” عن طريق إفحام الخصم تمهيدًا لتحقيق الغلبة عليه. حتى لتبدو الصورة وكأن “المعرفي العقلاني” يسبق الأيديولوجي، ولو أنه على الحقيقة، يذوي فيه. وبهذا الفهم تصير حضوريته أمرًا بديهيًّا في تقنيات التظهير المنشود للخطبة الأيديولوجية. في كل آن يمارس الأيديولوجي لعبته تكون ممارسته معقولة، ومحكومة بمعايير الحساب العقلي وميزان الخطأ والصواب. وعلى ما يتناهى لنا، فإن كل معقول معروف من جانب العاقل، متَّحدٌ به اتحاد الوسيلة بالغاية. ولو صُودِفَ أن حلَّ الفساد في القضية السارية في حقل الاختبار، فذلك لا يعود إلى الانفصال اللاَّمنطقي بين المقدمات والنتائج، وإنما إلى سوء التقدير في طريقة جمع تركيب وتوليف وتوظيف العناصر الموصلة إلى الغاية.
أما حين يكمل الأيديولوجي ولادته، فسيكون “المعرفي العقلاني” قد تحيَّز، واتخذ لنفسه المحل المناسب في تلك الولادة. لقد تحول “المعرفي العقلاني” إلى قابلية خالصة للخدمة. ولذا فلن يعود بمقدوره أن يتحرك إلاَّ كظلٍّ للأيديولوجي. فالعلاقة بين الطرفين، هي علاقة اتصال الجزء بالكل، والتابع بالمتبوع، وكذلك علاقة المحتاج إلى الغنيّ.
صدق الأيديولوجيا وعدم صدقها
قيل ..”ثمة براءة في الكذب هي العلامة على حسن الإيمان بشيء ما”..
لما ذكر نيتشه قوله هذا، لم يشأ على الأرجح، الحكم بالبطلان على مشاغل الأيديولوجيا. لقد أراد ـ كما عادتَهُ ـ الإشارة إلى كلماتها الغائرة في قاع النفس البشرية. وما شهوده على وجه البراءة في الكذب إلا لبيان المنفسح العجيب الذي يجول الفاعل الأيديولوجي في رحابه. ربما لهذا سيكون التساؤل عن إمكان الحكم بالصدق أو الكذب على الأنشطة الأيديولوجية، شأنًا يتعذر الجزم فيه…
من قبل أن تمارس الأيديولوجيا ظهوراتها لن يكون بوسعنا الحكم عليها إن كانت كاذبة أو صادقة، عقلانية أو غير عقلانية، ذكية أو حمقاء، كاشفة للحقيقة أو حاجبة لها، مزيفة للوعي أو منتجة لوعي واقعي وحقيقي. في العالم الأيديولوجي كل حكم ظهر إلى العلن فإنما يظهر من ثنايا التحيُّزات التي تضج بحيوية الفاعلين. الناس هم الذين يخلعون على الأيديولوجي، والظواهر الأيديولوجية صفات الحسن والقبح، أو الصواب والخطأ، أو العلم والجهل.
ولكي ندنو من بيان الصورة، علينا أن نلاحظ أن الأيديولوجيا تمارس مشاغلها ضمن ثلاثة مدارج هي أشبه بالأوعية المتصلة:
ـ الوهم، كأمر مستقل عن الخطأ.
ـ الإسقاط، كمكوّن أساس لشعور زائف بالتعالي.
ـ العقلنة، بما هي إعادة ترتيب منطقي للدوافع والمصالح على نحو يظهر وكأنه تبرير عقلاني للأهداف المقصودة.
سنرى في منطقة التحيُّز، ـ والتحيّز السياسي على وجه التعيين ـ كيف يُحكم على الأيديولوجيا بالصدق والكذب تبعًا لفشلها ونجاحها. فعلى قاعدة الفشل والنجاح تصدر الأحكام، بوصفها تقريرًا يخبر عن قضية غادرت بنيتها الذهنيّة لتحل في مختبر التجربة.
ليس بالضرورة حين يتقرر الحكم بالصدق مثلًا على قضية منتصرة، أن تكون نتائجها شرعية. أو أن يكون الفاعل الأيديولوجي في هذه القضية، فاضلًا أو حكيمًا. المسألة هنا تدور مدار منطق القوة وميزان الغلبة. لكن على الأكيد فإن الغالب استطاع في مثل هذه الحال، أن يستجمع مكوِّنات القدرة لديه، ويلبسها الرداء المناسب من الإنشاءات اللفظية. فقد يستطيع الغالب مثلًا أن يضفي المشروعية على أفعاله عبر توسيع مساحات التكذيب والبهتان ضد المغلوب، بما يجعلها أكثر قابلية للتصديق.
المسألة تتعلق بالسؤال عن كيفية توظيف القدرات باتجاه المصلحة. وبين البداية وبلوغ الغاية يظهر العقل الأيديولوجي ليحدد تلك الاستراتيجية. في هذا يمكن القول: إن معنى الأيديولوجيا سيتخذ سياقًا أكثر عمقًا ضمن فلسفة الأولوليات. وما سيلُ الخُطَب والأفكار والكلمات سوى الهندسة المعرفية الذي سيمضي الفاعل الأيديولوجي على هَدْيها نحو المصلحة. سواء كانت هذه المصلحة آنية أو بعيدة، أو أنها مصلحة عليا يتوقف عليها مصير مجتمع ودولة وأمة.
لو قُيِّض لنا أن نرى إلى الأيديولوجيا كفضاء لسياحة فلسفية لاخترنا لها هذا التعريف: إنها علم بممارسة الأفكار. أو ـ بتوضيح أوسع قليلًا ـ هي العلم بجدلية ارتباط الأفكار المحدِثة للأشياء، بالأشياء المحدِثة للأفكار. أما مجال عملها فيمكث على خط العلاقة الذي يصل الفكرة بالحدث. والحدث بالفكرة إذ يعيد صنعها في نشأة أخرى. خط العلاقة ذاك، يشتدُّ أو يرتخي، ينقبض أو ينبسط، تبعًا لحركة داخلية جوهرية تتفاعل فيها الإرادة المنتجة للفكرة بإرادة الموضوع الذي تقصده تلك الفكرة لتغيّره. فيتحصَّل من كل ذلك خروج الظاهرة الأيديولوجية إلى الوجود.
على سبيل الختم:
الأيديولوجيا كفلسفة للمتحيّز هي فلسفة الجميع. ليس من أحد إلا هو وارِدُها بجرعة ما. كلٌّ منا ينطوي على أيديولوجي وهو يختبر دنياه الضاجَّة بالاحتدام. فلا مناص للناس في دنياهم من أيديولوجية تعصمهم التيه، كما لا بد لهم في كل حين من أيديولوجي برٍّ أو فاجر.
معنى (خفى) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
التجارة حسب الرؤية القرآنية
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
مناجاة المريدين (1): يرجون سُبُل الوصول إليك
الشيخ محمد مصباح يزدي
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (1)
الشيخ مرتضى الباشا
الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (4)
محمود حيدر
كيف تُرفع الحجب؟
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
معنى (خفى) في القرآن الكريم
التجارة حسب الرؤية القرآنية
مناجاة المريدين (1): يرجون سُبُل الوصول إليك
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (1)
مواد جديدة تعزّز أداء رقائق ذاكرة الحاسوب
الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (4)
الأسرة والحاجة المعنويّة
كيف تُرفع الحجب؟
معنى (قرع) في القرآن الكريم
(نعم، سقطتْ مني استعارة!) جديد الشاعرة حوراء الهميلي