
المترجم: عدنان أحمد الحاجي
تعلّم القراءة لا يقتصر فقط على التعرّف على الكلمات المكتوبة والقدرة على قراءتها فحسب، بل يغير أيضاً طريقة معالجة الدماغ للغة المنطوقة [معالجة اللغة هي استخدام الكلمات للتعبير عن الآفكار والمشاعر، حيث يتم إنتاج اللغة في باحة بروكا Broka area ويتم استيعاب اللغة في باحة فيرنيكه Wernicke area] (2، 1).
أثبتت دراسة جديدة من مؤسسة بايكريست Baycrest وجامعة ساو باولو أن تعلّم القراءة يُغيّر بشكل جذري استجابة الدماغ إلى اللغة المنطوقة، حتى في عدم رؤية الكلمات المكتوبة. إذ يكفي أن يكون مستمعًا للكلمات المنطوقة فقط. تُعدّ هذه الدراسة من أوائل الدراسات التي تُظهر اختلافات في نشاط الدماغ أثناء الاستماع فقط دون الحاجة إلى رؤية الكلمات المكتوبة، بالرغم من أن دراسات تصوير الدماغ السابقة أثبتت أن إلمام المرء بالقراءة، يؤثر في استجابة الدماغ إلى الكلمات المكتوبة بشكل كبير، بحيث يصبح نشاط دماغه مختلفًا عن نشاط دماغ شخص آخر لا يستطيع القراءة.
كيف يُعيد تعلّم القراءة برمجة القدرة على الاستماع؟
تؤكد النتائج أن تعلّم القراءة يُنمّي لدى الفرد مهارةً تُعرٓف بالوعي الصوتي، وهي القدرة على سماع ومعالجة فونيمات (صوتيات (3)) الكلمة [إدراك أن الكلمات المنطوقة تتكون من فونيمات منفصلة، والقدرة على التعامل مع هذه الفونيمات ذهنيًّا. ببساطة، هي مهارة سماع ومعالجة ذهنية وتمييز هذه الفونيمات التي تكوّن الكلمات المنطوقة]، والتي تُعدّ أساسًا جوهريًّا للقدرة على القراءة.
تُثبت الدراسة أن تعلّم القراءة يُحسّن من معالجة الدماغ للغة المنطوقة بكفاءة أفضل، وذلك بزيادة الحساسية لهذه الفونيمات المُكوّنة للكلمة وتمييزها. وهذا بدوره يُقوّي الذاكرة اللفظية قصيرة الأمد، مما يدعم القدرة على تعلّم مهارات مُعقّدة ويساعد على التفكير بفعالية أفضل في المعاملات اليومية. بعبارة أخرى، عندما يكون الدماغ أكثر قدرة على استيعاب المعلومات اللفظية والتعامل معها (مثل التعليمات والشروحات والحوارات)، يصبح تعلم المهام الصعبة والتعامل مع التحديات الذهنية اليومية، مثل التخطيط واتخاذ قرارات، أو فهم واستيعاب ما يقوله الناس أكثر سهولة.
نُشرت هذه الدراسة في مجلة كورتكس (Cortex) (4).
"هذه الدراسة تساعدنا على فهم عمل مناطق الدماغ المسؤولة عن تحليل فونيمات اللغة المنطوقة بمعزل عن معناها". كما يقول الدكتور جيد ميلتزر، كبير الباحثين في معهد روتمان للأبحاث التابع لمركز بايكريست، والمؤلف الرئيس للدراسة التي تحمل العنوان التالي: "الإلمام بالقراءة يُعدِّل نشاط التلفيف الجبهي السفلي الأيمن (IFG) (5) في المعالجة الصوتية للغة المنطوقة".
ويضيف الدكتور ميلتزر: "مع أن هذا المستوى من التحليل ليس ضروريًّا للتواصل اليومي بين الشخص وغيره، إلا أن تنمية مهارة القراءة تُعزز قدرات التفكير المتقدمة، التي من شأنها أن تتجاوز مجرد القراءة".
اختير مشاركون من مجموعتين من كبار السن (بعد سن الستين): المجموعة الأولى تتكون من أفراد بدأوا للتو بتعلم القراءة، ويُعتبرون أميين وظيفيًّا، أي غير قادرين على فهم نص المكتوب رغم معرفتهم بالحروف الأبجدية وبعض الكلمات الأساسية؛ وكبار سن يعرفون القراءة من مرحلة الطفولة، وذلك بهدف معرفة كيف تعالج أدمغتهم اللغة المنطوقة.
استمع المشاركون في المجموعتين إلى قصة، وضغطوا زرًّا عند سماعهم كلمة محددة ("ماء")، حين كان يُقاس نشاط أدمغتهم باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI). عُرضت القصة جزئيًّا باللغة البرتغالية، وهي لغة المشاركين الأم، وجزئيًّا باللغة اليابانية، وهي لغة غير مألوفة تمامًا لديهم. سُجلت النسختان بصوت المتحدث نفسه، وهو مُعلم من الجالية اليابانية البرازيلية في مدينة ساو باولو يتحدث اللغتين بطلاقة. سمحت هذه التجربة للباحثين بمقارنة مدى تأثير مستوى الإلمام بالقراءة في استجابات الدماغ للغات المألوفة مقابل غيرها من اللغات غير المألوفة.
ما كشفه تصوير الدماغ
بالرغم من أن أداء المشاركين في المجموعتين كان أداء جيدًا عند الاستماع بلغتهم الأم، إلا أن أداءهم وأنماط نشاط أدمغتهم اختلفت بشكل ملحوظ عند الاستماع إلى لغة غير مألوفة. نشاط المنطقة الرئيسة في النصف الأيمن من أدمغة الذين تعلموا القراءة في سن مبكرة كان نشاطًا قويًّا خلال مهمة الاستماع إلى لغة غير مألوفة.
بالرغم من أن النصف الأيسر من الدماغ هو المسؤول عادةً عن معالجة اللغة، فإن المشاركة الإضافية للنصف الأيمن خلال المهمة الأصعب (عند الاستماع إلى لغة غير مألوفة) تشير إلى أن تجربة القراءة تعزز قدرة الدماغ على استدعاء مناطق أخرى عند معالجة الكلام غير المألوف. بعبارة أخرى، يبدو أن تعلم القراءة يدرب الدماغ على استخدام النصف الأيمن بشكل أكثر فعالية عندما يصبح فهم اللغة المنطوقة صعبًا. تشير النتائج إلى أن هذا النشاط في النصف الأيمن من الدماغ يعكس مهارة مكتسبة من خلال القراءة.
أهم نتائج الدراسة:
يُغير تعلم القراءة طريقة معالجة الدماغ للغة المنطوقة، مما يزيد من حساسية الدماغ وتمييزه لفوينمات كل كلمة.
يرتبط اكتساب مهارات القراءة في سن مبكرة بزيادة نشاط النصف الأيمن من الدماغ أثناء مهام الاستماع الصعبة (لغة غير مألوفة أو غير مفهومة)، مما يشير إلى أن تعلم القراءة يدعم معالجة صوتية أكثر تقدمًا وقدرة على مواجهة الصعوبات الإدراكية للحياة المعاصرة، ومنها تحسين مهارات التفكير وتعزيز المهارات الفكرية، والتركيز، والذاكرة وفهم المعلومات، والتعامل مع المهام المعقدة.
تعلم القراءة له فوائد إدراكية واسعة تتجاوز مجرد القدرة، بل يُؤثر أيضًا بشكل جذري في طريقة معالجة الدماغ للغة بشكل عام ويستدعي مناطق دماغية مختلفة ويفعّلها، وخاصة النصف الأيمن من الدماغ، ومن المرجح أن يُحسّن قدرتنا على التعامل مع التحدبات الإدراكية للحياة المعاصرة (كما ذكر أعلاه).
قد تُسهم هذه النتائج في توجيه الأبحاث المستقبلية وتركيزها على الحفاظ على وظائف الدماغ لدى كبار السن. ويمكن أن يلعب الإلمام بالقراءة والتعلم مدى الحياة دورًا في تعزيز الصمود الأدراكي [أي قدرة الدماغ على الحفاظ على الوظائف الإدراكية الطبيعية، مثل الذاكرة والتفكير، بالرغم من وجود تغيرات أو تلف في الدماغ مرتبط بالتقدم في السن، أو أمراض تنكسية عصبية مثل مرض الزهايمر].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/معالجة_اللغة_في_الدماغ
2- http://https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC4874870/
3- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/صوتية
4- http://https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0010945225003211?via=ihub
5- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/تلفيف_جبهي_سفلي
المصدر الرئيس
https://medicalxpress.com/news/2026-02-brain-reshapes-language.html
مدى فعالية علاج التهاب مفصل الركبة بالحقن بحسب مراجعة علمية
عدنان الحاجي
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (2)
محمود حيدر
سعة جامعة الإمام الصادق (عليه السلام)
الشيخ جعفر السبحاني
في معنى الصدق
السيد محمد حسين الطبطبائي
معنى (فزع) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
نحن لا نخشى غير الله (2)
الشيخ علي رضا بناهيان
المجاز قنطرة الحقيقة
الشهيد مرتضى مطهري
اختلاف الألسن واللّغات
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
طريق الجهاد (5)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الموت ثقافة حياة لا تنقطع
الشيخ شفيق جرادي
الإمام الصادق: بهاء مزّقه السّمّ
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
مدى فعالية علاج التهاب مفصل الركبة بالحقن بحسب مراجعة علمية
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (2)
مقام عظيم
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (15)
(موهوب في منظّمتي) جديد الكاتبة خيريّة الحكيم
(لماذا لا أنجح في التّغيير؟) ورشة تدريبيّة لجمعيّة أم الحمام الخيريّة
سعة جامعة الإمام الصادق (عليه السلام)
الإمام الصادق: بهاء مزّقه السّمّ
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (1)
في معنى الصدق