
المترجم: عدنان أحمد الحاجي
ماذا ترى الآن؟ قد يبدو هذا سؤالًا ساذجًا، لكن ما تراه بوعي ليس كل شيء. فجزء كبير من معالجة الدماغ للمعلومات البصرية يحدث لا شعوريًّا (في اللاوعي).
وقد تناولت بعض الدراسات أعماق الرؤية اللاواعية. ومن الأدلة على ذلك حالة عصبية تُعرف باسم "العمى البصري (1، 2)"، الناتجة عن تلف في مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة المعلومات البصرية. ويشكو المصابون بالعمى البصري من عدم قدرتهم على الرؤية، إما كليًّا أو جزئيًّا، في مجال الرؤية "أي المساحة الكليّة التي يمكن فيها رؤية الأشياء سواءً أكانت أمام الرائي مباشرة أم في المنطقة الجانبية (الرؤية المحيطية) عند تركيز العينين على نقطة (مكان أو جسم) معينة في لحظة معينة (3)".
حتى لو ادّعى المصابون بالعمى البصري أنهم لا يرون شيئًا في جزء من مجال رؤيتهم، فإن أدمغتهم تظلّ قادرة على معالجة المعلومات البصرية دون وعي منهم. فحين طلب منهم تخمين ما الموجود في مجال رويتهم، غالبًا ما كانوا يستطيعون معرفة ذلك بدقة ملحوظة (4).
على سبيل المثال، في تجربة نُشرت عام 2004 أجريت على شخص مصاب بالعمى البصري (5)، عُرض عليه شريط أسود في الجزء من مجال الرؤية الذي كان هذا المصاب فاقدًا لبصره. وطُلب منه "تخمين" ما إذا كان اتجاه الشريط عموديًّا أم أفقيًّا. والمثير للدهشة أنه غالبًا ما كان مصيبََا في تخمينه، ما يدل على أن دماغه كان يدرك المعلومات البصرية ويستخدمها حتى وإن ادّعى عدم إمكانه رؤيتها بوعي.
وهذا يُثبت بأن الإبصار لا يقتصر على الرؤية الواعية فحسب، بل يشمل أيضًا عمليات تلقائية تجري تحت الوعي في الدماغ.
بالرغم من إصرار الشّخص المصاب بعمى البصر على أنه لا يرى الشريط إطلاقًا، إلا أن ردود أفعاله حين أشار سهم (موضوع في منطقة سليمة من مجال رؤيته) إلى مكان الشريط، فقد تبين أنه كان قادرََا على توجيه انتباهه إلى موقع الشريط بدقة تفوق الصدفة بكثير، مما يثبت أن دماغه كان ما يزال يعالج المعلومات البصرية لا شعوريًّا.
التفسير الأكثر شيوعًا (وإن لم يكن الوحيد) (6) هو أن المصابين بالعمى البصري يستطيعون رؤية هذه الأشياء، لكن دون وعي منهم. فهم يرون الموجود، لكن كل هذا يحدث لا شعوريًّا، دون إدراك منهم.
ظاهرة عمى عدم الانتباه (العمى الناتج عن عدم الانتباه) (7، 8) تشير إلى إمكانية الرؤية دون أن تصل المعلومات إلى مستوى الوعي. يمكن لأيّ شخص أن يُصاب بالعمى الانتباهي. هذه الظاهرة معروفة منذ زمن بعيد، حيث يعجز فيها حتى ذوو البصر الطبيعي (أو غير المصابين بالعمى البصري) عن ملاحظة الأشياء المرئية لأن انتباههم مُركّز في مكان آخر. يُعالج الدّماغ المعلومات البصرية تحت الوعي، مما يُبيّن أن الرؤية والوعي بها ليسا بالضرورة متطابقين. ولكن يمكننا فهمها بشكل أفضل من خلال دراسة تجربة شهيرة نُشرت عام 1999.
في هذه التجربة، عُرض على المشاركين مقطع فيديو لأشخاص يلعبون كرة سلة، وطُلب منهم عدّ عدد التمريرات بين اللاعبين الذين يرتدون قمصانًا بيضاء.
في كثير من الأحيان، ينشغل النّاس بعدّ التمريرات لدرجة أنهم يغفلون تمامًا عن رؤية غوريلا ضخمة تعبر في المشهد بين اللاعبين وهي تلطم صدرها، ثم تبتعد. الغوريلا موجودة هناك، في مركز مجال رؤية المشاهد. ينعكس ضوء الغوريلا على عينيه، ويتم معالجته في جهازه البصري، لكنه لم يلحظها، وذلك لأنه لم يكن منتبهًا لها. وهذا يعني أنه عندما يركز المشاهد انتباهه على مهمة محددة، مثل عدّ تمريرات كرة السلة مثلاً، قد يغفل تمامًا عن ملاحظة حركة واضحة تحدث أمامه مباشرةً، مثل الشخص الذي كان يرتدي زي غوريلا ومرّ بين اللاعبين. فرغم وضوح الغوريلا وتلقّي العين والدماغ للمعلومات البصرية، إلا أنها لم تصل إلى مستوى الوعي لأن انتباه المشاهد مُوجّه إلى مكان آخر أو مهمة أخرى. وهذا يُبيّن ما يُعرف بالعمى الانتباهي، أي أننا لا نرى دائماً بوعي كل ما يقع في مجال رؤيتنا.
هناك دروس من تجربة الغوريلا هذه يمكننا أن نتعلم منها الكثير. في تجربة أخرى نُشرت عام 2013، طُلب من أخصائيي الأشعة فحص صور رئة للبحث عن عقيدات nodules (أورام رئوية تظهر على شكل دوائر صغيرة فاتحة اللون) في كل صورة، وذلك في سلسلة من صور الأشعة المقطعية للرئة. في إحدى الصور، وُضعت صورة كبيرة لغوريلا راقصة فوق صورة الرئة. في هذه الدراسة (9)، فشل 83٪ من أخصائيي الأشعة في رصدها، بالرغم من أنها كانت أكبر بـ 48 مرة من متوسط حجم العقيدة التي كانوا يبحثون عنها. بل إن بعضهم نظر مباشرةً إلى صورة الغوريلا ولم يلحظها! وهذا يُثبت مدى قوة العمى الانتباهي: فالانتباه يُحدد بقوة ما نراه بوعي، حتى أنه يطغى على المعلومات البصرية الأخرى الواضحة.
يُعدّ تفسير هذه التجارب مثيرًا للجدل. يرى بعض الباحثين (10) أنه في مثل هذه الحالات، يرى أخصائي الأشعة الغوريلا في الصورة بوعي، لكنه ينساها فورًا (مع أن رؤية غوريلا راقصة في صورة أشعة لرئة مريض لا تبدو مما يمكن أن يُنسى). بينما يرى آخرون أن الأخصائي يرى الغوريلا، لكن هذه المعلومة لم تصل إلى مستوى وعيه إطلاقاً. أي أنه رأى الغوريلا، لكن رآها دون وعي (لا شعوريًّا) فقط. إذن، يدور النقاش حول ما إذا كانت الغوريلا قد دخلت الوعي لفترة وجيزة ثم نُسيت، أم أنها لم تُصبح جزءََا من الرؤية الواعية أصلاً.
لنفترض أنه في حالة العمى البصري والعمى الانتباهي، يمكن رؤية المعلومات، لكنها لا تصل إلى مستوى الوعي. عندئذٍ، يطرح السّؤال الأهم نفسه إذن هو: ما العامل الذي يحدد ما إذا كانت معلومات معينة تتجاوز هذا الحد وتصبح جزءًا من الوعي، بينما تبقى معلومات أخرى في اللاوعي؟ هذا أحد الأسئلة المحورية في دراسات الوعي في مجالات، مثل الفلسفة وعلم النفس وعلم الأعصاب.
مكبر صوت الدماغ
لا يوجد اتفاق بين الباحثين على أفضل نظرية للوعي، ولكن في رأيي، فإن أقوى النظريات جدلََا هي نظرية مساحة العمل العصبية الشاملة (11).
بحسب هذه النظرية، يرتبط الوعي ارتباطًا وثيقًا بمنطقة محددة في الدماغ تُعرف بأنها مكان "مساحة العمل (12)"، التي وُسمت بـ "مكبر صوت الدماغ"، وذلك لأنه حين تكون المعلومات بالغة الأهمية، يقوم الدماغ "بتضخيمها" وإرسالها إلى مناطق متعددة فيه، تمامًا كما يُذيع مكبر الصوت رسالةً ليسمعها الجميع.
مساحة العمل الشاملة هذه هي عبارة عن نظام ذي سعة محدودة، لذا لا يمكنه استيعاب كميات كبيرة من المعلومات في وقت واحد (12).
وتتمثل مهمة مساحة العمل في استقبال المعلومات اللاواعية وبثها إلى شبكات (مناطق) عصبية متعددة في جميع أنحاء الدماغ (13). ويقول منظّرو مساحة العمل العصبية الشاملة إن بث المعلومات بهذه الطريقة هو ما يوصلها إلى مستوى الوعي، وهو ما يمكن ملاحظته والتفكير فيه والإبلاغ عنه (14).
وبالتالي، تتمثل وظيفة مساحة العمل في أن تكون بمثابة مكبر صوت الدماغ، والوعي يعتبر المعلومات التي تُبث. تستقبل مساحة العمل المعلومات اللاواعية وتُعززها، بحيث تصل إلى العديد من مناطق الدماغ المختلفة، فتتمكن من استخدامها في عملياتها الخاصة. يُطلق الفيلسوف الراحل دانيال دينيت على الوعي اسم "صيت الدماغ (15)" [صيت أو شهرة الدماغ، هي عبارة عن استعارة عصبية للوعي، حيث تصبح المعلومات "ذات صيت أو مسموعة في أنحاء مناطق الدماغ" من خلال بثها عبر مساحة العمل الشاملة للدماغ]. وحين وصف دانيال دينيت الوعي بأنه "صيت الدماغ"، كان يقصد أن الفكرة تصل إلى مستوى الوعي عندما تبرز وتصبح متاحة على نطاق واسع - مثل معلومة تصبح فجأة معروفة ومؤثرة في جميع أنحاء الدماغ، ما يجعلها متاحة على نطاق واسع. وفكرة مساحة العمل تُشابه ذلك. وهذا يعني أن الوعي أشبه بنظام بث مركزي في الدماغ: فمعظم النشاط الدماغي يحدث لا شعوريًّا في الخلفية، ولكن عندما تدخل معلومة ما إلى "مساحة العمل"، تُضخم وتُبث على نطاق واسع إلى مناطق الدماغ المختلفة.
من أبرز نتائج نظرية مساحة العمل العصبي الشاملة هو كيف تصل المعلومات مع قلتها إلى الوعي. فنظرًا لصغر سعة هذه المساحة، لا يمكننا إدراك سوى القليل منها في كل مرة. قد نتصور وجود عالم بصري ثري أمامنا، مليء بالتفاصيل، ندركها جميعًا، لكن في الحقيقة - وفقًا للنظرية - لا ندرك إلا جزءًا بسيطًَا منه. وبعبارة أخرى، بالرغم من أن الدماغ يعالج باستمرار كميات هائلة من المعلومات (مدخلات الحواس والذكريات والأفكار)، فإن جزءًا بسيطََا جدًّا فقط من هذه المعلومات يصبح جزءًا من الوعي ونستطيع رويته. وفقًا لنظرية مساحة العمل العصبية الشاملة، فإن معظم نشاط الدماغ يبقى "في اللاوعي" ولا يصل أبدًا إلى مستوى الوعي؛ فقط المعلومات التي تصبح قوية أو مهمة بما يكفي هي التي تُبث عبر مناطق الدماغ المختلفة وتصبح مدركة بصريًّا، لذا فإن العقل الواعي ليس سوى بؤرة ضوء صغيرة وانتقائية تسلط الضوء على شيء ما ليصل إلى حد الوعي يمكن إدراكها بصريًّا، بينما كل شيء آخر يحدث في اللاوعي ويبقى غير مدرك بصريًّا، لذلك، بالرغم من أن الدماغ يقوم بمعالجة الكثير من المعلومات، إلا أنه لا يدرك بشكل واعٍ فقط إلّا جزءًا بسيطََا جدًّا ومختارًا منه في أي لحظة.
وقد اعترض بعض الفلاسفة (16) والباحثين (17) على هذه النظرية للأسباب نفسها (18)، إذ يرون أن الوعي "يفيض" عن مساحة العمل: فنحن ندرك معلومات أكثر مما تتسع له مساحة العمل في أي لحظة. ورغم أن هذه النقاشات ما تزال قائمة (19)، أعتقد أن نظرية مساحة العمل العصبي الشاملة تقدم لنا إجابة واضحة نسبيًّا عن وظيفة الوعي، وكيف يتفاعل مع الأنظمة الأخرى في الدماغ. وهذا يعني أنه حين تصل معلومة إلى مستوى الوعي، فإنها لا تبقى معزولة في منطقة من الدماغ؛ بل تستخدمها عدة أنظمة دماغية أخرى، على سبيل المثال، تستقبل أنظمة الذاكرة واتخاذ القرارات واللغة والحركة هذه المعلومات وتعمل عليها معًا، لذلك إذا رأى شخص إشارة مرور حمراء بشكل واعٍ، تُرسل هذه المعلومات بسرعة إلى المناطق التي تساعده على التعرف عليها، وتحديد معناها، وتذكر قوانين المرور، والتوقف عن الحركة، بدلًا من أن تبقى المعلومة منحصرة في منطقة واحدة فقط.
في أدمغتنا، لا يمثل الوعي سوى قمة جبل جليد ضخم. لكن نظرية مساحة العمل العصبية الشاملة قد تمنحنا فهمًا أعمق لما يجعل تلك القمة مميزة جدًّا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/عمى_بصري
3- https://medlineplus.gov/ency/article/003879.htm
5- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0028393203002793
6- https://psycnet.apa.org/buy/2020-57499-001
7- https://ar.wikipedia.org/wiki/عمى_عدم_الانتباه
8- https://psycnet.apa.org/record/1998-07464-000
9- http://https://www.cell.com/trends/cognitive-sciences/abstract/S1364-6613(06)00079-9
10- https://journalpsyche.org/articles/0xc07f.pdf
11- https://www.cell.com/trends/cognitive-sciences/abstract/S1364-6613(06)00079-9
12- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0928425705000252
13- https://www.cell.com/action/showPdf?pii=S0896-6273(20)30052-0
14- https://royalsocietypublishing.org/rstb/article/373/1755/20170349/30474
15- https://direct.mit.edu/books/monograph/1947/Sweet-DreamsPhilosophical-Obstacles-to-a-Science
16- https://www.cell.com/trends/cognitive-sciences/abstract/S1364-6613(11)00222-1
17- https://www.cell.com/ajhg/abstract/S1364-6613(06)00237-3
19- https://psycnet.apa.org/record/2022-53151-001
المصدر الرئيس
شروط النصر (2)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
ليس كل ما ننظر إليه نراه بالفعل: نافذة على الوعي
عدنان الحاجي
منشأ كلّ آفة نبتلي بها هو غفلة بواطننا!
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
فَبَشِّرْ عِبَادِ
الشهيد مرتضى مطهري
الشهادة والصدق
الأستاذ عبد الوهاب حسين
العارف والصّوفي
الشيخ محمد هادي معرفة
معنى (كذب) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
الشيخ محمد صنقور
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
الشيخ شفيق جرادي
مضاعفة العذاب
الشيخ مرتضى الباشا
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
بين احتمال ومحض تجريد
محمد أبو عبدالله
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
شروط النصر (2)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (2)
ليس كل ما ننظر إليه نراه بالفعل: نافذة على الوعي
النصر حليف جبهة المتوكّلين على الله تعالى
منشأ كلّ آفة نبتلي بها هو غفلة بواطننا!
فَبَشِّرْ عِبَادِ
الجائزة التّقديريّة لأمين الحبارة في معرض دوليّ في الصّين
شروط النصر (1)
الشهادة والصدق
استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الطلاب ومعلميهم أصبح سلاحََا ذا حدّين