
المسألة:
ما معنى قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ / وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ}(1)
الجواب:
الآيتان تُقسمان بالسماء وبالأرض، فالواو في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} هي واو القسم، والمقسَمُ به هي السماء، وكذلك فإنَّ الواو في قوله تعالى: {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} هي واو القسم، والمُقسَمُ به هي الأرض.
منشأ وصف السماء بذات الرجع:
وأمَّا وصف السّماء في الآية بأنَّها ذات الرجع فذلك لأنَّها تُغيثُ النّاس بإذن الله تعالى بالمطر ثم ترجع فتُغيثُهم به مرَّة بعد أخرى، فهي ترجع عليهم بالغيث الذي هو أهم مصادر الرزق، فبماء المطر تكوَّنت الينابيع والأنهار والسواقي والسيول والواحات كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ}(2) وقال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ}(3) وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ}(4)
وبماءِ المطر تنبتُ الزروع والأشجار والثمار، ومنها - ومن الأنعام والبهائم التي تتغذَّى على الزروع - يتغذَّى الإنسان، ويتَّخذُ منها اللباس والفرش والأثاث كما قال تعالى: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ}(5) وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(6) وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ / يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(7)
وقال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ / أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا / ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا / فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا / وَعِنَبًا وَقَضْبًا /وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا / وَحَدَائِقَ غُلْبًا / وَفَاكِهَةً وَأَبًّا / مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}(8) وقال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}(9) كلُّ ذلك وغيره كثير إنَّما هو من الماء الذي ترجعُ به السماء على سكَّان الأرض، ولعلَّ أجمعَ آيةٍ في ذلك هي قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}(10)
فمعنى قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} هو أنَّها -ظاهراً- تُغيثُ الناس بالماء الذي به قوام الحياة ثم ترجع فتُغيثهم به، ولهذا فهي ذات الرجع على العباد بالخير والبركات حالاً بعد حال بمرور الأزمان والدهور.
الاحتمال الثاني لمنشأ وصف السماء بذات الرجع:
وقد يكون المراد من وصف السماء بذات الرجع هو ما نشاهده من غروب شمسها بعد شروقها، ومن شروقها بعد غروبها، ومن طلوع القمر والكواكب والنجوم بعد أفولها، وأفولها بعد طلوعها، فهي ترجع للناس بالشروق بعد الغروب وبالطلوع بعد الأفول، فالآية بذلك تُشير إلى تعاقب الليل والنهار وإلى جريان الأفلاك في مساراتها، وما يترتَّب على ذلك من أسباب الحياة على الأرض والمعاش فيها، وما يُوحيه ذلك من حسن التدبير والتقدير، وإتقان النظام الكوني.
فالمراد من وصف السماء بذات الرجع -بناءً على الاحتمال الثاني- هو السماء ذات الأفلاك والكواكب السيَّارة التي تظهر للناس وتَغيب ثم ترجع فتظهر وهكذا، ولعلَّ كلا المعيين مرادٌ من الآية المباركة.
منشأ وصف الآيةِ الأرض بذات الصدع:
وأمَّا وصف الآيةِ المباركة الأرض بذات الصدع فذلك للإشارة إلى أنَّها تتصدع وتنشقُّ عن النبات والحبوب والأشجار كما قال تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا}(11) وكذلك هي تنشقُّ بالعيون والآبار كما قال تعالى: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ / وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ}(12) وكما قال تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا / أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا}(13) فالمياه تخرج بمثل العيون والآبار، والمرعى هي الزروع.
ولعلَّ الآية تُشير كذلك إلى ما تنشقُّ عنه الأرض من الكنوز من الذهب والفضَّة والنحاس وسائر المعادن. وعليه فمعنى قوله تعالى: {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} هو القسَمُ بالأرض ذات الزروع والعيون والمعادن وغير ذلك ممَّا تنشقُّ عنه الأرض من خيرات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الطارق: 11، 12.
2- سورة الزمر:21.
3- سورة الأنعام: 6.
4- سورة المؤمنون : 18.
5- سورة البقرة: 22.
6- سورة الأعراف: 57.
7- سورة النحل: 10، 11.
8-سورة عبس: 24، 32.
9- سورة النحل:80.
10- سورة الأنبياء: 30.
11- سورة عبس: 25، 26.
12- سورة يس: 33، 34.
13-سورة النازعات: 30، 31.
معنى قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ..}
الشيخ محمد صنقور
معرفة الإنسان في القرآن (12)
الشيخ مرتضى الباشا
معنى (نكل) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
مميّزات الصّيام
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الدم الزاكي وأثره على الفرد والجماعة
الشيخ شفيق جرادي
البعث والإحياء بعد الموت
الشيخ محمد جواد مغنية
أهميّة قوة العضلات في خفض معدّل الوفيات للنّساء فوق الستين
عدنان الحاجي
البعض لا يتغيّر حتّى في شهر رمضان المبارك، فماذا عنك أنت؟!
الشيخ علي رضا بناهيان
أبو طالب عليه السلام المظلوم المفترى عليه (3)
السيد جعفر مرتضى
شروط استجابة الدعاء
الشيخ محمد مصباح يزدي
ليلة القدر: ليلة العشق والعتق
حسين حسن آل جامع
كريم أهل البيت (ع)
الشيخ علي الجشي
مشكاة اللّيل
فريد عبد الله النمر
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
ليلة القدر: ليلة العشق والعتق
اختتام النّسخة الثالثة عشرة من حملة التّبرّع بالدّم (بدمك تعمر الحياة)
شهر الصبر
معنى قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ..}
معرفة الإنسان في القرآن (12)
شرح دعاء اليوم الثامن عشر من شهر رمضان
مركّباتٌ تكشف عن تآزر قويّ مضادّ للالتهاب في الخلايا المناعيّة
دحض جميع الصور النمطية السلبية الشائعة عن المصابين بالتوحد
إصداران تربويّان لصلة العطاء لترسيخ ثقافة النّعمة وحفظها
الصوم، موعد مع الصبر