من التاريخ

معلومات الكاتب :

الاسم :
السيد جعفر مرتضى
عن الكاتب :
عالم ومؤرخ شيعي .. مدير المركز الإسلامي للدراسات

أبو طالب عليه السلام المظلوم المفترى عليه (3)

6 ـ ﴿ ... وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾

 

زعموا: أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (1). قد نزلت في أبي طالب «عليه السلام».

 

ونقول:

 

إن سياق الآيات قبلها وبعدها يعطي أن الآية إنما نزلت في اليهود.. وهذا كاف في رد هذه المزعمة. وقد قال النقدي في كتابه مواهب الواهب في فضائل أبي طالب: وأما ما قيل من أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ نزلت في أبي طالب فقد قال ابن دحلان: هو ضعيف جداً  كالقول بأنها نزلت في أبوي النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فإن ذلك ضعيف أيضاً، بل قيل: إن ذلك باطل لا أصل له والآية إنما نزلت في اليهود.

 

قال أبو حيان في البحر: وسوابق الآيات ولواحقها تدل على ذلك الخ .. (2).

 

7 ـ الذي ينجي من الوسوسة

 

زعموا: أن الرسول «صلى الله عليه وآله» قال لأبي بكر، حول ما ينجي من الوسوسة: «ينجيكم من ذلك: أن تقولوا مثل الذي أمرت به عمي عند الموت؛ فلم يفعل. يعني شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله» (3).

 

وفي رواية عن عمر: إن كلمة التقوى التي ألاص (4) عليها نبي الله عمه أبا طالب عند الموت: شهادة الخ .. (5). ونقول: إنه فضلاً عن سقوط الرواية من ناحية السند، نلاحظ:

 

أولاً: إن من الواضح: أن الذين يسألونه «صلى الله عليه وآله» عما ينجي من الوسوسة كانوا يقولون تلك الكلمة، ويشهدون الشهادتين، ولكنهم كانوا ـ مع ذلك ـ مبتلين بالوسوسة، فكيف يأمرهم «صلى الله عليه وآله» بقولها للنجاة من ذلك؟!  إلا أن يقال: إن المراد هو: كثرة التلفظ بها وتكرارها.

 

غير أننا نقول: إن إرادة هذا المعنى بعيدة عن مساق الرواية، فإن ما طلبه من أبي طالب ـ لو صحت الرواية ـ هو مجرد التلفظ بالشهادتين ..

 

ثانياً: إن نفس هذه الرواية مروية بسند صحيح، وتفيد:

 

أن الخلاف كان بين سعد وعثمان، وأن الذي حكم بينهما هو عمر بن الخطاب، وذكر: دعوة ذي النون: ﴿... لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (6). ولم يذكر أبا طالب «عليه السلام» (7).

 

أبو بكر حين أسلم أبوه

 

وزعموا أيضاً: أنه لما مد أبو قحافة يده ليسلم، بكى أبو بكر، فقال له «صلى الله عليه وآله»: ما يبكيك؟! قال: لأن تكون يد عمك مكان يده، ويسلم، ويقر الله به عينك أحب إلي من أن يكون (8).

 

ونقول:

 

أولاً: قد تقدمت هذه الرواية بنحو يدل على إيمان أبي طالب «عليه السلام» عن عدد من المصادر، فلا نعيد. وتلك الرواية هي التي تنسجم مع هذا الحشد الهائل من دلائل إيمانه صلوات الله وسلامه عليه.

 

ثانياً: قد جاء أنه لما أسلم أبو قحافة لم يعلم أبو بكر بإسلامه، حتى بشره النبي «صلى الله عليه وآله» بذلك (9) فكيف يكون أبو بكر قد قال ذلك حين مد أبو قحافة يده؟!.

 

أبو طالب عليه السلام الشيخ المهتدي

 

وزعموا أيضاً: أنه لما توفي أبو طالب، جاء علي «عليه السلام» إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، وقال له: إن عمك الشيخ الضال قد توفي. بل في رواية: أن الإمام علياً «عليه السلام» رفض ما أمره به النبي «صلى الله عليه وآله» من تغسيله، ودفنه، فأمر أن يتولى ذلك غيره (10).

 

ونقول:

 

أولاً: قد روى أحمد في مسنده هذه الرواية، وفيها: إن عمك الشيخ قد توفي، من دون ذكر كلمة «الضال» (11).

 

ثانياً: إن نفس أن يخاطب علي «عليه السلام» رسول الله «صلى الله عليه وآله» بهذه الطريقة: «إن عمك الشيخ الضال . . الخ . .» لهو أمر لا ينسجم مع أدب الخطاب مع الرسول، في الوقت الذي كان يمكن له يقول: إن أبي الشيخ الضال قد توفي. ولا يمكن أن يحتمل أحد أن يصدر من علي «عليه السلام» ما ينافي الآداب مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» أو مع غيره.

 

ثالثاً: لو لم يكن مؤمناً فلماذا يأمره بتغسيله؟ فهل يغسل الكافر؟!

 

رابعاً: كيف يتناسب هذا مع كونه «صلى الله عليه وآله» قد حزن، وترحم عليه، ودعا له، وعارض جنازته، ومشى فيها، وغير ذلك مما تقدم، مع أنهم يروون: أنه لا يجوز المشي في جنازة المشرك؟! (12).

 

خامساً: ماذا يصنع هؤلاء بما ورد في كثير من المصادر، من أن الإمام علياً «عليه السلام» هو الذي تولى تغسيل أبي طالب ودفنه، واغتسل بعد تغسيله إياه غسل المس الواجب على من مس أي ميت مسلم (13).

 

هل صلى أبو طالب عليه السلام؟

 

قالوا: إنه لم ينقل عن أحد: أن أبا طالب «عليه السلام» قد صلى، وبالصلاة يمتاز المؤمن عن الكافر (14).

 

ونقول في الجواب:

 

أولاً: إنه لم ينقل أيضاً عن كثير من الصحابة أنهم قد صلوا .. فهل يمكن الحكم عليهم بأنهم لم يسلموا؟! فإن عدم نقل ذلك لا يعني عدم حدوثه.

 

ثانياً: إنه إذا كان مثل أبي طالب «عليه السلام» كمثل مؤمن آل فرعون، الذي كان يكتم إيمانه، فعلينا أن لا نتوقع مجاهرة أبي طالب «عليه السلام» بالصلاة، أو بغيرها من الشعائر الدينية أمام الملأ، فإن ذلك لا يتلاءم مع كتمان الإيمان.

 

أبو طالب عليه السلام خير الأخيار

 

وزعموا: أن محمد بن عبد الله بن الحسن قد كتب إلى المنصور يقول مفتخراً: أنا ابن خير الأخيار، وأنا ابن شر الأشرار.

 

وهذه الرسالة هي التي أوجبت توقف ابن أبي الحديد المعتزلي في إيمان أبي طالب «عليه السلام»، كما زعم في شرحه لنهج البلاغة (15).

 

ونقول:

 

أولاً: إن أبا طالب «عليه السلام» لم يكن شر الأشرار، إذ إنه «عليه السلام» لم يكن أشر من أبي لهب ولا من أبي جهل، ولا من ابن ملجم، ولا من الشمر، ولا .. ولا .. فهذا كذب صريح، هل يمكن صدوره من مدَّعي المهدية .. الذي يطالب الناس بالبيعة له؟!

 

ثانياً: ما معنى أن يفتخر إنسان بأنه ابن شر الأشرار؟! فهل في هذا مفخرة لأحد؟

 

ثالثاً: إنه ليس في الرواية ما يدل على أن المقصود بهذا الكلام هو أبو طالب «عليه السلام»، إذ لعل المقصود به طلحة بن عبيد الله، الذي هو أبو أم إسحق، جدة محمد بن عبد الله بن الحسن، أو لعله يقصد زمعة بن الأسود، أو عبد العزى؟! أو غير هؤلاء من آبائه ..

 

رابعاً: لماذا أخذ المعتزلي بشهادة محمد بن عبد الله بن الحسن، الذي قتل في أواسط القرن الثاني للهجرة، ولم يأخذ بشهادة الإمام علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في حق أبيه، وهو القائل: والذي بعث محمداً بالحق نبياً، إن أبي لو شفع في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله، بالإضافة إلى كثير من النصوص الأخرى التي سلفت عنه «عليه السلام» في حقه؟

 

هذا فضلاً عن شهادات الإمام السجاد، والباقر، والصادق «عليهم السلام».

 

ألم يكن عهد هؤلاء الأطهار «عليهم السلام» بأبي طالب «عليه السلام» أقرب من عهد محمد بن عبد الله بن الحسن؟!..

 

خطابيات وأرجاز المديني:

 

وبعد ما تقدم، فإنه إذا كان أبو طالب «عليه السلام» مسلماً مصدقاً؛ فلا يصغى لأرجاز وخطابيات أمثال المديني، التي لا توافق العقل والدين مهما حاول أن يتظاهر هو بالصلاح، أو أن يسطر التملقات الباردة، مثل أن يقول: «وددت أن أبا طالب كان أسلم، فسر به رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأني كافر»!! (16).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. a. b. القرآن الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 119، الصفحة: 18.

2. مواهب الواهب في فضائل أبي طالب للنقدي ص130 ط حجرية النجف الأشرف سنة 1341هـ .

3. حياة الصحابة ج2 ص140و 545 وكنز العمال ج1 ص259 و 260 و 261 عن أبي يعلى والبوصيري في زوائده ، وعن طبقات ابن سعد ج2 ص312 .

4. الأص فلاناً على الشيئ : أداره عليه وأراده منه .

5. مجمع الزوائد ج1 ص15 ، وكنز العمال ج1 ص262 و 263 عن أبي يعلى ، وابن خزيمة ، وابن حبان والبيهقي وغيرهم كثير جداً .

6. القران الكريم: سورة الأنبياء (21)، الآية: 87، الصفحة: 329.

7. مجمع الزوائد ج7 ص68 عن أحمد ورجاله رجال الصحيح ، باستثناء إبراهيم بن محمد بن سعد وهو ثقة ، وحياة الصحابة عنه وعن الترمذي وعن كنز العمال ج1 ص298 عن أبي يعلى والطبراني ـ وصُحِّح .

8. الإصابة ج4 ص116 والحاكم وصححه على شرط الشيخين ، وعن عمر بن شبة وأبي يعلى ، وأبي بشر سفويه في فوائده ، ونصب الراية ج6 ص281 و 282 عن عدد من المصادر في هامشه ، والمصنف ج6 ص39 ، وفي هامشه عن ابن أبي شيبة ج4 ص142 و 95 ، ومسند أحمد ج1 ص131 .

9. المحاسن والمساوئ ج1 ص57 .

10. المصنف ج6 ص39 وراجع كنز العمال ج17 ص32 و 33 ونصب الراية ج2 ص281 و 282 وفي هامشه عن عدد من المصادر .

11. مسند الإمام أحمد ج1 ص129 و 130 وأنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج2 ص24 وفيه : أنه أمره هو فواراه .

12. قد تقدمت بعض مصادر ذلك في أوائل هذا البحث ، وعن عدم جواز المشي في جنازة المشرك ، راجع كتب الحديث كسنن البيهقي وغيره .

13. تاريخ الخميس ج1 ص301 .

14. راجع : شيخ الأبطح .

15. شرح النهج للمعتزلي ج14 ص82 .

16. عيون الأخبار لابن قتيبة ج1 ص263 .

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد