مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مصباح يزدي
عن الكاتب :
فيلسوف إسلامي شيعي، ولد في مدينة يزد في إيران عام 1935 م، كان عضو مجلس خبراء القيادة، وهو مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي، له مؤلفات و كتب عدیدة فی الفلسفة الإسلامیة والإلهیات والأخلاق والعقیدة الإسلامیة، توفي في الأول من شهر يناير عام 2021 م.

في وداع الشهر الفضيل: ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة (2)

الجهل النظريّ والجهل العمليّ

 

توجد في الآية التي أشرنا إليها سابقًا مسألة مبهمة تجب إماطة اللثام عنها، تتمثّل بقيد “بِجَهالَةٍ”، حيث ذكر البعض أنّ مراد هذه الآية أنّه إذا كان أحد جاهلًا بقبح الفعل، وارتكبه، ثمّ علم بعد ذلك بأنّه قام بفعل قبيح، وتاب، فإنّ توبته ستكون مقبولةً؛ وأمّا إذا كان يعلم منذ البداية بقبح ذلك الفعل، ومع ذلك قام به، فإنّ الله تعالى لم يجعل له الحقّ في قبول توبته.

 

أجل، إذا رضي البارئ عزّ وجلّ بتوبة هذا العبد بتفضّله، فإنّه سيكون قد رفق به كثيرًا؛ وإلّا، فلا مجال هنا للعبد لكي يعترض ويُطالب بشيء، كما أنّه لا يملك أيّ حقّ على الله تعالى. هذا، وقد وإنّ المراد من الحقّ الذي نمتلكه على الله تعالى هو ذلك الحقّ الذي جعله الله تعالى على نفسه لعباده. ومن هنا، فإنّ مقصود هؤلاء العظماء أنّ الله تعالى لم يجعل حقّ التوبة للذين يرتكبون المعصية مع علمهم بقبحها وسوئها. لكن، هناك طائفة أخرى من العظماء تعتقد أنّ المراد من الجهالة هنا ليس هو الجهل وعدم الاطّلاع على الحكم، بل المراد منها السفاهة[1].

 

وعمومًا، فإنّ للجهل والجهالة نوعَين من الاستعمال في اللغة العربيّة: فتارةً يُستخدم الجهل في مقابل العلم (العلم النظريّ الذي يعني التعرّف على واقعيّة ما)، وتارةً يُستخدم في معنى العمل غير العقلانيّ، فيقع حينئذ في مقابل العقل. وقد جُعل الجهل في موسوعاتنا الروائيّة – نظير كتاب الكافي الشريف الذي يُعدّ من أقدمها وأكثرها اعتبارًا – في مقابل العقل، حيث إنّ أوّل باب منه هو باب “العقل والجهل”، ثمّ يأتي بعده باب “العلم”. واستُعمل “الجهل” في القرآن الكريم في موارد يوجد فيها علم ظاهريّ، من دون أن يكون الإنسان فيها جاهلًا مطلقًا.

 

وإن للجهل الواقع في مقابل العلم ثلاث حالات: الأولى، أن لا يكون الإنسان ملفتًا إلى المسألة أبدًا، فلا يُطرح عليه كلّ من الموضوع والمحمول (سلب العلم)؛ نظير حال العديد من الأفراد العاديّين تجاه العلوم الدقيقة، لا سيّما الرياضيّات العالية التي لا تُطرح علينا بتاتًا بعض اصطلاحاتها ومسائلها، ولا نملك عنها أيّ سؤال، وذلك لخلوّ أذهاننا عن أيّ تصوّر عنها.

 

والحالة الثانية، أن يُواجه الإنسان سؤالًا، لكنّه يكون جاهلًا بجوابه، وهذا هو الجهل البسيط (عدم العلم عمّا من شأنه أن يُعلم). والثالثة، أن يظنّ الإنسان أنّه عالم بجواب السؤال، لكنّ جوابه يكون خاطئًا (الجهل المركّب). إنّ هذه الحالات بأجمعها تتعلّق بقضايا خبريّة تحكي عن أنّ الفعل الكذائيّ هكذا، أو ليس كذلك؛ فإمّا أكون عالمًا بأنّه بهذا النحو، أو أنّه ليس كذلك.

 

وأمّا الاستعمال الآخر للجهل، فيتعلّق بالفعل السفيه وغير العقلانيّ، حيث جرى في العديد من مواضع القرآن الكريم استخدام هذه الكلمة في هذا المعنى؛ مثلما قال نبيّ الله لوط مخاطبًا قومه: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾[2]، حيث تعني عبارة ﴿قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ في هذه الآية: “أنّكم أناس يقومون بأفعال جاهلة”، ففعل “تجهلون” لا يعني “أنّكم لا تعلمون بقيامكم بفعل قبيح”، إذ ليس الجهل عيبًا كبيرًا، وكلّ شخص يجهل بمسائل كثيرة، لكن “أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ” عبارة عن أسوأ إهانة يُمكن توجيهها لهؤلاء الأفراد، ومعناها: “ما أسفه العمل الذي تقومون به!”.

 

وقد وردت في سورة البقرة قصّة عن بني إسرائيل استُعملت فيها عبارة من هذا القبيل، جاء فيها أنّ طائفتين من بني إسرائيل اختلفتا فيما بينهما، وحدثت في هذه الأثناء جناية، واتُّهم القوم الذين عُثر على جثّة المقتول في منطقتهم بالقتل، ممّا أفضى إلى وقوع خلاف شديد بين تلكما الطائفتَين؛ فذهبوا في الأخير عند نبيّ الله موسى للحكم بينهم. ولإنهاء المشكلة، أمر البارئ عزّ وجلّ بذبح بقرة، وضرب المقتول بذيلها، ليحيا الميّت بإذنه تعالى ويُخبرهم عن قاتله. ولهذا السبب، سُمّيت هذه السورة الكريمة بسورة البقرة. وقد قام نبيّ الله موسى (عليه السلام) بإطلاع الناس على الأمر الإلهيّ، لكنّهم بعد سماع كلامه قالوا متعجّبين: ﴿أَ تَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾[3]، فقال لهم موسى (عليه السلام): ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلينَ﴾[4]، حيث كان يريد القول: إذا سخرت من الناس، فإنّني سأكون قد قمت بفعل جاهل.

 

ولا يخفى أنّ تعبير القرآن الكريم عن هذه المسألة في قصّة نبيّ الله يوسف (عليه السلام) أصرح؛ ففي ذلك الموضع، يُخاطب النبيّ الكريم (عليه السلام) إخوته قائلًا: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ‏ وَأَخيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُون‏﴾[5]؛ ففي هذه الآية النورانيّة، ليس المراد من “الجاهلون” أنّ أولاد يعقوب لم يكونوا على علم بأنّ يوسف أخوهم، وبأنّ إلقاء الأخ في البئر أو قتله عمل قبيح، بل المراد من هذه الكلمة أنّهم ارتكبوا في حقّ يوسف عملًا غير عقلائيّ.

 

ومن الجدير بالذكر أنّه في اللغة الفارسيّة أيضًا تُستعمل مفردة “نادان” للدلالة على المعنيين معًا (الذي لا يعلم بإحدى الحقائق، والذي يقوم بعمل أخرق)؛ بينما تُستخدم كلمة “نابخرد” في حقّ الذي لا يُحسن الاستفادة من عقله، ويرتكب أفعالًا طائشة.

 

التوبة من العمل الجاهل

 

في هذه الآية الكريمة، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾[6]، ويُراد فيها من الجهالة العمل غير العقلائيّ والأخرق، ولا تعني هنا عدم العلم، بل المراد منها تلك الطائفة من الناس التي تمتلك العقل، إلّا أنّها عطّلته، ولم تستعمله؛ فعقلها إمّا منطفئ وخامد، وإمّا خاضع للشهوة والغضب.

 

ففي هذه الآية النورانيّة، يُراد من الذين يرتكبون المعصية بجهالة أولئك الذي يقومون بفعل سيّئ نتيجةً لحماقتهم وطيشهم، ثمّ يندمون مباشرةً، ويسعون لتدارك الأمر، حيث يُعدّ أمرًا طبيعيًّا بالنسبة للمؤمن أن يرتكب المعصية، ثمّ يتوب في الحين؛ والله تعالى يُشجّع هكذا إنسان، لكنّه في المقابل يقول: ﴿ولَيْسَتِ‏ التَّوْبَةُ لِلَّذينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾[7]؛ إذ لن تُقبل هذه التوبة، لأنّها في الحقيقة ليست توبة.

 

فالمراد من عبارة “من قريب” في هذه الآية: قبل حلول الموت؛ أي إنّ الله تعالى يقبل توبة أولئك الذين يرتكبون المعصية عن جهالة، ويتوبون قبل رؤية آثار الموت، مع أنّهم قد يكونوا مطّلعين على قبح عملهم. وفي الحقيقة، فإنّ الموت قريب جدًّا، ولو طالت مدّة حلوله لسنوات مديدة، كما نقرأ في الكتاب المجيد: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾[8]‏.

 

فالإنسان العاقل متى ما التفت إلى الضرر الذي يترتّب على فعل ما، فإنّه لا يُقدم عليه؛ اللهمّ إلّا أن تقف في تلك اللحظة بعض الموانع أمام عقله. وعليه، فإنّ الله تعالى لا يُريد أن يقول في هذه الآية إنّ التوبة مختصّة بالذين لم يكن لهم علم بقُبح الفعل، وإنه لا يخفى أنّ عدم اطّلاع هؤلاء على هذا التكليف ناجم عن تقصيرهم في تعلّم التكاليف الإلهيّة، ولهذا، فقد ارتكبوا في الحقيقة معصية، وتنبغي مؤاخذتهم على ذلك، لأنّ تحصيل العلم واجب. لكن، إذا كان الجاهل غير مقصّر في جهله، فإنّه لن يكون قد وقع في المعصية حقيقة، حتّى تلزمه التوبة.

 

فيبدو أنّ تفسير الجهل في هذه الآية بالحمق والطيش أقوى من التفسير الأوّل. وخلاصة القول، إذا قام الإنسان بعمل سيّئ، ثمّ ندم، وعزم على قضاء بقيّة عمره من دون معصية، في حين أنّه كان لا يزال يحتمل الحياة، ويمتلك القدرة على تكرار الذنب مرّة أخرى، فإنّه سيكون في الحقيقة قد وُفّق للتوبة النصوح، سواء بقي من عمره – فعليًّا – ساعة واحدة، أو مئة سنة. ومن هنا، يُستفاد من الروايات المتظافرة أنّ المراد من التوبة النصوح توبة الذي يستوي ظاهره وباطنه، وحينما يقول: “لقد ندمت”، فإنّه يكون نادمًا على ما ارتكبه من أعماق قلبه، وعازمًا على ترك المعصية للأبد.

 

وعليه، فإنّ الذي يتحصّل من هذا الفقرة من دعاء الوداع الشريف أنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) يُناجي ربّه قائلًا: “إلهي، علاوةً على أنّك لا تستعجل في معاقبة العصاة، فإنّك فتحت لهم بابًا للعفو، ودعوت عبادك لولوج هذا الباب”، حيث تتمثّل الخاصّية العجيبة لهذه الساحة في غفران كافّة ذنوب العاصي عند دخولها؛ ولو كان قد لوّث روحه وجسده بالعصيان لمائة سنة؛ والأرقى من ذلك أنّ كلّ هذه المعاصي سوف تُستبدل بالحسنات، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿يُبَدِّلُ‏ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾[9].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] راجع: محمد محسن الفيض الكاشاني، الأصفى في تفسير القرآن، الجزء 1، الصفحة 199.

[2] سورة النمل، الآية 55.

[3] سورة البقرة، الآية 67.

[4] سورة البقرة، الآية 67.

[5] سورة يوسف، الآية 89.

[6] سورة النساء، الآية 17.

[7] سورة النساء، الآية 18.

[8] سورة العنكبوت، الآية 5.

[9] سورة الفرقان، الآية 70.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد