
(اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاٰةِ إِنَّ اللّٰهَ مَعَ الصّٰابِرِينَ)[1]. فإذا استقام الدعاة إلى الله تعالى على الطريق الصعب، وصبروا، فإن النصر لن يتخطاهم، ورحمة الله تعالى لن تعدوهم.
(إِنَّ الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاٰئِكَةُ أَلاّٰ تَخٰافُوا وَلاٰ تَحْزَنُوا)[2]. (إِنَّ الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا فَلاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ)[3].
واقرأ معي كيف يؤدب الله تعالى نبيه بأدب النبوّة، ويعلّمه ألا يستعجل في طريق الدعوة، ويتعلم الصبر ممن سبقه من أولي العزم من الأنبياء: (فَاصْبِرْ كَمٰا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاٰ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ)[4].
ومن قوم موسى المستضعفين جعل الله تعالى أئمة وقادة أورثهم سلطان فرعون بما صبروا: (وَجَعَلْنٰا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا لَمّٰا صَبَرُوا)[5].
ويأمر الله تعالى رسوله (ص) أن يتّبع ما يوحى إليه، ويصبر مع قومه، وينتظر حكم الله: (وَاتَّبِعْ مٰا يُوحىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتّٰى يَحْكُمَ اللّٰهُ)[6].
وأحوج ما يكون الداعية إلى الصبر عندما تطول المحنة، وتقسو، فيستخفّه الذين لا يوقنون بالله: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّٰهِ حَقٌّ وَلاٰ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاٰ يُوقِنُونَ)[7].
وحبذا لو توقفنا لحظات عند هذه النقطة من البحث، فهي من أهم النقاط التي يعاني منها المؤمنون الدعاة، على اختلاف شعوبهم، وأوساطهم، في هذه الفترة القاسية من تاريخهم، ويحتاج فيها المؤمنون إلى وعي اعتقادي لطبيعة المرحلة القاسية التي يمرون فيها، ونشير بهذا الصدد إلى نقطتين مهمتين:
1ـ إن فترة الابتلاء قد تطول على المؤمنين، وقد تكون قصيرة، وطول الفترة وقصرها يخضع لمستوى الإيمان والعمل الذي تقدمه الأمة المؤمنة، ولقوانين إلهية أخرى لا نعرفها، وقد تقسو المحنة والفتنة بالمؤمنين، وعادة تعتبر هذه القسوة مخاضاً للنصر، تنتبه خلالها الأمة، القطاعات الواسعة من الأمة، وتستقطب فيها الطلائع المؤمنة المجاهدة عطف الأمة وثقتها خلال هذه المحنة، والأمة تمنح عطفها وثقتها للعاملين في حالة المحنة أكثر مما تعطيها في حالة اليسر والرخاء.
ومخاض النصر (المحنة) قد يكون قاسياً على المؤمنين، ليس عليهم فحسب، وإنما على ذويهم أيضاً؛ من آبائهم، وأمهاتهم، وزوجاتهم، وأبنائهم، وأقاربهم الآخرين.
وقبل أن نسترسل في إكمال الموضوع أود أن ألفت نظر المؤمنين إلى ضرورة وأهمية الإعداد الداخلي لأسرهم وعوائلهم، فإن المحنة لا تكاد تصيبهم وحدهم، وإنما تصيب عوائلهم وأُسرهم أيضًا، فإن كانوا لم يعدوا من قبل أفراد أُسرتهم لمثل هذه الفترات القاسية، فإن خطر التساقط والانهيار في داخل أفراد العائلة المؤمنة ليس ببعيد، وطبعاً؛ لا نريد أن نغفل عنصر الإمداد الإلهي الغيبي للعوائل والأسر الممتحَنة، في معنوياتها، وحياتها المادية، ولكن ذلك لا يعني أن الداعية لا يعد أفراد أسرته لمثل هذه الحالات القاسية التي تمر عليهم من قبل، ليحميهم من التساقط والانهيار، فإن الفتنة سيف ذو حدين، وسُلّم يصعد منه ناس إلى الله، ويهبط منه آخرون إلى الشيطان.
فلكي تكون هذه المحنة في حياة العاملين وأسرهم سُلّماً صاعداً، لابد أن يتفرغوا لإعداد عوائلهم وأسرهم، إعداداً داخلياً، قوياً، في مرحلة سابقة.
ونقطع الحديث عن هذه النقطة لنعود مرة أخرى إلى صلب الموضوع، فأقول: إن فترة المحنة قد تطول وتقسو، ولكن لا ينبغي أن تتناول المحنة إيمان العاملين في سبيل الله بالنصر والتأييد الإلهي في حال من الأحوال، فإن النصر الإلهي حقيقة إيمانية في نفس الداعية، وحقيقة كونية في مشيئة الله تعالى، لن تتبدّل، ولن تتغير.
وقد يعيش العاملون في سبيل الله في ذروة محنة من هذه المحن القاسية التي مرت على الأنبياء، والمرسلين، وعباد الله الصالحين، وجرت بعد ذلك سنّة ثابتة لله، فيكاد الشيطان أن يمس إيمانهم بالنصر، ويزلزل من ثباتهم وثقتهم بالله وهم لا يعلمون أن النصر قريب وشيك منهم، وقد يكون في اللحظات الأخيرة من مخاضه العظيم.
(مَسَّتْهُمُ الْبَأْسٰاءُ وَالضَّرّٰاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتّٰى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتىٰ نَصْرُ اللّٰهِ أَلاٰ إِنَّ نَصْرَ اللّٰهِ قَرِيبٌ)[8].
ويحدثنا القرآن الكريم عن السنة الإلهية في حياة العاملين في توقيت النصر، وضخامة الفتنة والمحنة، قبل النصر، وفي حال مخاضه، فيقول: (حَتّٰى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جٰاءَهُمْ نَصْرُنٰا)[9].
قد يكون النصر قريباً من المؤمنين، ولكن الله تعالى أخفى علمه عنهم؛ لحكمة له تعالى في ذلك، وقد يكون النصر حاصلًا بين عشية وضحاها، ولكن الله تعالى حجب علمه عن المؤمنين؛ ليمتحنهم في محنتهم. فلا ينبغي إذًا أن تنال المحنة من إيمان العاملين وثقتهم بالنصر، ولا ينبغي أن يتسرب اليأس إلى روحهم في حال من الأحوال.
(وَلاٰ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِنَّهُ لاٰ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ)[10].
2ـ إن حالة المخاض، وهي المحنة، في حسابات البشرية طريق إلى النصر، وفي حساب الله تعالى غاية قائمة بذاتها؛ بل هي غاية الغايات في تكامل المؤمنين العاملين.
إن هذه المحن قد تطول، وتقسو، ليعلم الله تعالى ـ وهو العالِم ـ الذين جاهدوا من المؤمنين، والذين صبروا تحت وطأة المحنة.
(مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلىٰ مٰا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّٰى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)[11].
فإن الإسلام في حياة الناس فصل وفرقان بين الحق والباطل، وفصل وتمييز بين الخبيث والطيب، ولا يفرّق بين الطيب والخبيث، ولا يميزهما عن بعضٍ أمرٌ أفضل من هذه المحن التي تتعرض لها الأمة، فيصعد قوم، ويهبط قوم آخرون، ومن هذا الصراع بين الحق والباطل، وبين جبهة التوحيد والشرك، فيطيب قوم، ويخبث آخرون.
إذًا؛ هذه المحن هي السُّلّم الإلهي لتكامل المسلمين العاملين في سبيل الله، وطريق الكمال طريق شائك وعسير، ولا يتكامل المؤمن في الرخاء واليسر، وإنما يتكامل في العسر والفتنة والمحنة. إنه يتكامل تحت السياط والتعذيب وفي ظروف الهجرة القاسية، أكثر مما يتكامل في أي وقت آخر. ويئنّ العاملون تحت وطأة المحنة، ويستغيثون، وكل ذلك بعين الله تعالى وسمعه.
ولو أن الداعية كان يعلم أن اليد التي تعصر قلبه يد أرحم الراحمين لخفّت عليه المحنة، وهان عليه أن ينشر بالمناشير، إذا كان ذلك بعين الله، وبإرادته، ورضاه، وفي سبيل مرضاته، وطريقه الذي يسلكه إلى الله تعالى.
فهذه المحن هي الطريق إلى الجنة، وهي المدارج التي يصعدها الداعية لتزكية نفسه وتطهيرها، وتكميل نفسه، والقرآن الكريم صريح وواضح في هذه الحقيقة، أيّما صراحة ووضوح: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّٰا يَعْلَمِ اللّٰهُ الَّذِينَ جٰاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّٰابِرِينَ)[12]. (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمّٰا يَعْلَمِ اللّٰهُ الَّذِينَ جٰاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَلاٰ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّٰهُ خَبِيرٌ بِمٰا تَعْمَلُونَ)[13].
إنها لسذاجة في نفوس الناس أن يتصوروا أن الجنة، بمنازلها الرفيعة، ميسرة لكل أحد صام وصلّى، دون أن يمتحنه الله في إيمانه، ويعلم المجاهدين منهم والصابرين.
وأنها سنَّة لله تعالى قديمة، فلن تشذ هذه الأمة عن الأمم السابقة، ولن يشذ الدعاة في عصرنا، فيما يتعرضون له من محن وفتن، عن الأنبياء، والأولياء، وعباد الله الصالحين، والمجاهدين من قبل، فيما مسّهم من البأساء والضراء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] البقرة: 153.
[2] فصّلت: 30.
[3] الأحقاف: 13.
[4] الأحقاف: 35.
[5] السجدة: 24.
[6] يونس: 109.
[7] الروم: 60.
[8] البقرة: 214.
[9] يوسف: 110.
[10] يوسف: 87.
[11] آل عمران: 179.
[12] آل عمران: 142.
[13] التوبة: 16.
بين العالم والرّوح العلميّة
الشهيد مرتضى مطهري
الشهادة فلسفة وعطاء (1)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
مهمّة المتعرِّف: معرفة الغَير في معرفة الذّات
محمود حيدر
شروط النصر (3)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
ليس كل ما ننظر إليه نراه بالفعل: نافذة على الوعي
عدنان الحاجي
منشأ كلّ آفة نبتلي بها هو غفلة بواطننا!
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
العارف والصّوفي
الشيخ محمد هادي معرفة
معنى (كذب) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
الشيخ محمد صنقور
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
الشيخ شفيق جرادي
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
بين العالم والرّوح العلميّة
الشهادة فلسفة وعطاء (1)
مهمّة المتعرِّف: معرفة الغَير في معرفة الذّات
شروط النصر (3)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (3)
(البلاغة وجماليّات النّصّ) جديد الدكتور محمّد رضا الشّخص
مشقّة تحتمل السّقوط
احتفال لابن المقرّب بالشّعر في يومه العالميّ
جهاز نانوي يُنتج كهرباء مستمرّة من التّبخّر
شروط النصر (2)