علمٌ وفكر

إشكاليّة وجود الموت والفناء (2)


الشهيد مرتضى مطهري ..
الدّنيا مدرسة لإعداد الإنسان
يقول تبارك وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾. وهذه الآية تبيّن أنّ عالم الدّنيا مرّكب من الموت والحياة، فهو دار لاختبار صلاح الإنسان وحسن عمله، وينبغي الالتفات هنا إلى أنّ معنى البلاء الإلهيّ هو إظهار طاقات الإنسان واستعداداته، أي تنمية هذه الاستعدادات وإيصالها إلى مرتبة الكمال.
وبعبارةٍ أخرى فإنّ هدف الابتلاء الإلهيّ هذا ليس كشف الأسرار الموجودة بل نقل الاستعدادات الكامنة الخفيّة، كالأسرار من مرحلة القوّة إلى مرحلة الفعل، فالمقصود بالكشف هنا هو "الإيجاد"، إذ إنّ البلاء ينقل الصّفات الإنسانيّة من كمون القوّة والاستعداد إلى ميدان الفعليّة ومرتبة الكمال، فهو لا يكشف عن وزنها وقيمتها بل يزيد في وزنها وقيمتها.
وبهذا البيان يتّضح أنّ الآية المتقدّمة تشير إلى حقيقة أنّ الدّنيا محلّ تنمية الطّاقات والاستعدادات، فهي "دار التّربية".


جذور الاعتراض على وجود الموت
على ضوء التّوضيح الذي عرضناه آنفًا لحقيقة الموت يتّضح عدم استناد الاعتراضات المثارة بشأنه إلى أيّ أساس قويم، وهذه الاعتراضات ناشئة في الواقع من الجهل بحقيقة الإنسان وحقيقة عالم الدّنيا، أو أنّها ناشئة من معرفة بتراء لحقيقة الكون والحياة.
وحقيقٌ بالنّزوع للحياة الخالدة أن يكون مؤلـمـًا للغاية وتكون صورة الموت مرعبة للغاية بالنسبة للإنسان الذي يرى الموت نهاية للحياة حقًّا. وهذا هو سرّ توهّم بعض الأشخاص أنّ الحياة عبثٌ لا جدوى منه، فهم يجدون في أنفسهم نزوعًا وميلًا للحياة الخالدة، لكنّهم يتوهّمون استحالة تحقّق ما يميلون إليه بقوّة، ولولا وجود هذ الميل فيهم لما اعتبروا الحياة عبثًا لا طائل منه، فهم كانوا سيرونها فرصة محدودة للتمتّع بالنّعم والسّعادة وإن كانت ستنتهي إلى العدم المطلق، ولن يفكّروا أبدًا بأنّ العدم أفضل من وجود مثل هذه الحياة المحدودة، أي إنّ عيوبها ناشئة - حسب هذا الفرض - من العدم اللاحق لها وقصر أمدها، فكيف يكون العدم أفضل من هذا المقدار المحدود من الوجود؟!
ولكنّنا عندما نجد أملًا ونزوعًا وطلبًا للخلود في نفوسنا، فهو فرع لتصوّر وإدراك جماله وجاذبيّته التي تبعث فينا الأمل الكبير بالخلود والفوز بالحياة الأبديّة، أجل إذا هجمت علينا مجموعة من الأفكار المادّية التي تقول لنا: إنّ هذه الآمال لا مصداق لها، فلا وجود للحياة الخالدة، فمن الطّبيعيّ حينئذٍ أن نقع في الاضطراب والأذى والعذاب الخانق الذي يدفعنا إلى تمنّي عدم المجيء إلى هذه الدّنيا لكي لا نواجه كل هذا العذاب والأذى.
من هنا يتّضح أنّ تصوّر عبثيّة الوجود ناشئٌ عن عدم الانسجام بين غريزة ذاتيّة في الإنسان، وتلقينات اكتسابيّة، ولذلك لم يكن لمثل هذا التصوّر ليتولّد فينا لولا تلك الغريزة الذاتيّة، وكذلك لولا هجوم تلك الأفكار المادّية الخاطئة.
لقد خُلق الإنسان بصورةٍ غرست معها في فطرته هذه النّزعة القويّة للخلود، لكي تكون وسيلة لوصوله إلى الكمال اللائق به، والذي فيه الاستعداد اللازم لبلوغه، والاستعدادات الكامنة في فطرة الإنسان وتركيبته أوسع من أن تستوعبها الحياة الدّنيا بأيامه المعدودات، ولذلك فلو كانت حياته محدودة بهذه الحياة الدّنيويّة فإنّ خلق تلك الاستعدادات فيه هو أمرٌ عبثيّ حقًّا. والذي لا يؤمن بالحياة الخالدة يجد حالة من عدم الانسجام بين تركيبته الوجوديّة من جهة، وأفكاره الإلحاديّة وآماله المحدودة من جهةٍ أخرى، ولذلك فهو يقول بلسان أفكاره الإلحاديّة: إنّ العدم هو نهاية الوجود، وكلّ الطّرق تنتهي إلى العدم، ولذلك فالحياة عبث لا طائل منها، لكنّه يقول بلسان استعداداته الفطريّة - وهو اللسان البليغ ذو الفطرة الجامعة - لا محّل للعدم، وأمامي طريقٌ لا نهاية له، ولو كانت حياتي محدّدة لما خُلق فيّ الاستعداد للخلود والنّزوع إليه.
من هنا اعتبر القرآن الكريم، إنكار المعاد مرادفًا للاعتقاد بعبثيّة الخلق: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.
أجل، إنّ من يعتقد أنّ الدّنيا مدرسة ودار للتّكامل ويؤمن بالحياة الأخرى ونشأة الآخرة، لا يمكن أن تصدر منه اعتراضات من قبيل: ما كان ينبغي أن نخلق في هذه الدّنيا، وإذا خُلقنا فلا ينبغي أن يُكتب علينا الموت، فمثل هذا الاعتراض لا يختلف في درجة ابتعاده عن المعايير العقليّة، عن القول: إمّا أن لا يدخل الطّفل المدرسة، وإذا دخلها فلا ينبغي أن يغادرها!

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد