لقاءات

مالك فتيل: لقد استمرت بي الحياة هكذا، أعيش بالرياضيات، وأحيا بالشعر!

 

نسرين نجم .. 

بينه وبين الشعر حسابات من نوع آخر ومعادلات مميزة، كيف لا وهو القادم من عالم الرياضيات والبرمجة، فقد استطاع وخلال فترة قصيرة أن يبرمج قاموسًا شعريًّا خاصًّا به، وهو من المعروفين بتعلقه بالمكان ومدى قدسية العلاقة التي تربطه بالقطيف، التي كتب لها أجمل الأبيات، إنه الشاعر مالك فتيل الذي أجرينا معه هذا الحوار: 


ما بين الرياضيات والشعر حسابات آخاذة:
الأستاذ مالك فتيل قادم من عالم الرياضيات، عالم بعيد عن الشعر نسبيًّا، والبعض قد يعتبر بأن من يدخل في اختصاصات علمية وتقنية لا يمكنه أن يكتب شعرًا، أو حتى أن يمتلك الحس الأدبي، إلا أن الشاعر مالك  فتيل أثبت العكس، لا بل ضرب بعرض الحائط هذه النظرية الخاطئة، فهو لا يوافق أبدًا على: "أن الشعر والفنون يتعارضان مع العلم والتقنية، خصوصًا البحتة منهما، وهذا أمر يمكنني شخصيًّا أن أدعي خطأه، مدعمًا ثقتي بتجربتي الشخصية ومجموعة كبيرة من الشواهد، فالتاريخ يعرض لنا الكثير من الشخصيات التي اشتغلت في كلا المجالين، أبدعتْ في الفنون، وأنتجتْ في العلوم. ولعلي أضيف ما يخفف من غرابة هذا الأمر، وهو أنني بالإضافة لكوني متخصصًا في الرياضيات فقد اشتغلت منذ وقت مبكر، أتحدث في سن الرابعة عشر تقريبًا في البرمجة، فقد تعلمت تعلمت تعليمًا ذاتيًّا مجموعة من اللغات البرمجية، كما تعلمت ذاتيًّا استخدام برامج الرسوميات ثلاثية الأبعاد، أنتجتُ بها مجموعة كبيرة من الأعمال في تسعينيات القرن الماضي، وتعاملت مع مجموعة كبيرة من المؤسسات الفنية، وفي نهاية الأمر قمت بنشر كتابين في المجال الذي كان نادرًا آنذاك".
وبالنسبة إلى رحلته مع الشعر فقد كانت بجهد شخصي: "تعلمت قراءة الشعر، وهو أمر هام جداً، أعني أن تقرأ الشعر، وتفهم مغزاه، ثم تستلذ به، أن يكون الشعر واحدًا من الأشياء التي تهبك السعادة في هذه الحياة. أذكر جيدًا  عندما أهداني أخي عبدالكريم كتابين أحدهما لشاعر العربية الكبير أبي الطيب المتنبي، إنه لأمر مذهل أن تبدأ بشاعر بهذه الضخامة، الأمر الذي سهَّلَ عليَّ بقية الشعر، كنت في العاشرة من عمري! بعد المتنبي أخذني شعر ما قبل الإسلام، كانت الأسماء كثيرة، والشعر كثيرًا أيضًا ، لقد أدركت آنذاك مرحلة تحولي من قراءة الشاعر إلى قراءة الشعر، الشعر فقط، دون أثر لظل الشاعر، فقد كان الكثير من شعر تلك المرحلة مرسلًا متحررًا من الشاعر.. امتزجت قراءة الشعر مع رموز لغات البرمجة والتصميم، الرؤية الشعرية الشفافة، بالنظرة العلمية-التقنية الحادة، بعد حين في المرحلة الجامعية، اخترت لقناعات مهنية وشخصية مجال الرياضيات دون الأدب، الأمر الذي عاتبني عليه رئيس قسم الأدب آنذاك، الدكتور عبدالله الجهيمان، بعد محاجة طريفة معه حول شعر المتنبي.
لقد استمرت بي الحياة هكذا، أعيش بالرياضيات، وأحيا بالشعر!".
وما بين الشعر الحديث والقديم، أين يجد نفسه أكثر؟ يجيب الأستاذ فتيل: "أعترف أنني قبل عشرة أعوام تقريبًا لم أكن استسيغ الشعر الحديث، أقصد قصيدة النثر الحديثة، كنتُ أجدها جافة باردة فارغة من المعنى، كنتُ أجدها سهلة جدًّا؛ دراجة هوائية، مَرْكِبُ مَن لا يجيد ركوب الخيل!
ولكن، بقرار جاء في لحظة ما، بدأت بجمع مجموعة كبيرة من الشعر الحديث، لِطَيْفٍ واسع من الشعراء، ومن ثم عكفت على قراءتها مع مجموعة من كتب النقد التي تتحدث حول القصيدة الحديثة، شيئًا فشيئًا، وجدتُني مغرمًا  بها، وجدتُها كما وجدتُ قصيدة المتنبي وأبي تمام والجواهري، وجدتُها مذهلة!
مع هذا، عادةً لا أميل إلى التمييز بين الشعر زمانيًّا أو شكليًّا، لكل قارئ – وأنا أُجيب هنا كقارئ- مجموعة من التفضيلات فيما يتعلق بالشعر، لعله يبحث مرةً عن الأسلوب، وفي أخرى عن الصورة، أو القضية، أتصور أنه هكذا بالعادة تتم قراءة النصوص الأدبية، والشعر واحد منها".


* الشاعر المثقف 
الشعر يعتبر وسيلة لنقل الواقع بمرارته وبحلاوته، هذا بشكل عام، فهل الشعر في وقتنا الحالي كذلك؟ "هذه قضية مثيرة للجدل: موقع الشاعر من القضايا العامة، موقع الشاعر من السلطة والمجتمع، موقفه تجاه الآخر! في رأيي أن الشعرية العربية من حيث موقع الشاعر فيما بين السلطة والمجتمع قد تزحزحت باتجاه المجتمع، نحو العام واليومي، وهذا تغير يمكنني بكل بساطة أن أشير له بالتطور. فتكسَّر الأغراض الشعرية الفخارية القديمة (غزل، مدح، هجاء...) وتشكّل قضايا شعرية جديدة في القرن الماضي أمر يُحسب للشعر، فالشاعر لم يعد ذاك الفنان اللغوي الذي يتمحور شعره حول حاجاته الشخصية، والذي يبدو منشغلًا -وشاغلًا الشعر معه- بالتكسّب عند أبواب السلطة، بل، انطلق من أناه وحاجاتها، إلى الآخر، إلى الإنسان، تحوَّل من ناظم بلاطي إلى شاعر مثقف".

وعن المواضيع أو القضايا التي تجذب قلم مالك فتيل يقول: "أجد الإدعاء القائل بأن الشعر يشبه الشاعر بشكل متطابق، وأن الشاعر متوحد مع شعره، متمازج كل التمازج أمر فيه إدعاء وحذلقة فارغة. سأكتب شعري اليوم، فيما همني هذا اليوم، ولغدٍ شعرُ غد، ستتعدد القضايا والموضوعات بتعدد أحوالي في هذه الحياة. 
السؤال هل سأكتب كل ما يهمني؟، بالتأكيد لا، سأترك بعض الهموم أو الكثير منها دون كتابة، سيفوت الشعر الكثير من همومي، وسأكتب ما أعتقد أنه قابل للكتابة، وعليه، سيكون لشعري مجالات محددة من حياتي، أجدها الأولى بالكتابة.
علاوة على هذا، هناك محددات تمنعنا من الكتابة في موضوعات قد تشغل بالنا طيلة الوقت؛ الخوف، جبروت السلطة، تغولها، ورصدها الدائم، بكلمة واحدة: القمع هو ما يمنعنا من مقاربة ما يُشبهنا من القضايا".
وبالانتقال إلى موضوع المرأة في النصوص الشعرية ومكانتها في كلمات الشعر يرى بأنه: "قديمًا، كانت المرأة موضوعًا  شعريًّا له مساحة طاغية في الشعرية العربية، الموضوع المتصدر الذي يُستهلُّ به الشعر، ولمْ تزل هذه القيمة العالية باقية، ولا أظنها ستتزحزح بعيدًا عن موقعها، إلا أنَّ هناك فرقًا بسيطًا ومهما  قد طرأ في طبيعة الخطاب داخل الشعر حول المرأة، فقد كانت المرأة غير مؤكدة الحضور، لم تكن المُخاطَب في كل هذا الشعر، بل وسيلة، كنَّا نخاطب "آخر" من خلال -أو بتوسل- المرأة. أما الآن، فلا يبدو أننا بحاجة لاستخدام هذا الأسلوب "الفاتريني" للفت انتباه الـ "آخر". 
في شعري، وفي شعر المرحلة كما أرى، أصبحت المرأة -إن حَضرتْ- مُخاطبة بشكل مباشر ومؤكد".


* قاموسه الشعري الخاص:
يرى الكثير بأن على الشاعر أن يبقى حزينًا مكتئبًا ليكتب عن وجع الناس ويعبر عن آلامهم، فهل يوافق الشاعر مالك فتيل على هذه المقولة؟ يقول: "نعتقد، ولو بشكل غير تام، أن النفس البشرية واحدة من حيث شعورها بالألم، أقصد أن آليات الإحساس بالألم وبواعثه وكذلك انعكاساته واحدة بين الناس، لذا، يَفترض الشاعرُ عندما "يستبطن"-كما تقول الفلاسفة العرب- أي يعود للنفسه، يجد هناك نفسه ونفوس الآخرين، فإن قلنا إنَّ الشعر "وطن"، فهذه حقيقة، فبالعودة للنفس أنت تعود لكل الناس، تشترك معهم في فضاءٍ منزوع الجغرافيا والتاريخ، وعندما تكون جادًّا في الحديث عن أوجاعك الخالية من الأنانية ستجد نفسك تتحدث عن أوجاع البشرية كلها.
ليس على الشاعر أن يكون مكتئبًا، ولا حزينًا، ليكتب الآخرين ألمًا وهمًّا، فقط، عليه أن يكون هو، أناه، البسيطة، المتعففة من الحواس".
المعروف عن الشاعر مالك فتيل بأن له قاموسه الشعري الخاص، فما هو هذا القاموس وما الجديد الذي قدمه؟: "الحق أنني أكتب بتلقائية، ولعلي -للأسف- أقل الشعراء مراجعة وتحبيرًا، أختار مفرداتي بعفوية مما أكتنزته أثناء قراءتي، وهذا حال بقية الشعراء، وإن كان هناك ما يُسمى بالقاموس الخاص؛ فأتصور أن لكل شاعر الحق أن يقول بأنه يملك قاموسه الخاص من مفردات وتراكيب تميزه عن شاعر آخر.
لا جديد فيما يخص الشعر الفصيح، أما فيما يتعلق بالشعر المحلي القطيفي فإنني منذ زمن أحاول كتابة الشعر القطيفي باللهجة المحلية التي اكتسبتها في حياتي، أحاول كتابتها بشكل يفصلها  عمَّا حولها من اللهجات، ويُوصل أجزاءها (لهجاتها الفرعية) الداخلية، وهذا أمر، أو مشروع، أجده مهمًا جدًّا، الأهمية التي تجعلني أشعر بالتقصير دائمًا نحوه".
وعن رأيه بظاهرة الشعراء الشباب التي تغزو عالمنا العربي: "وبكل صراحة جيدة، بل مفيدة، فما أجمل أن ينشغل الشاب بالشعر، والفن، إنه معيار التطور الحضاري، على الإنسان أن يلاحظ مسار تاريخ البشرية، وأن يفرِّق ما بين ما هو خارج أو ضد هذا المسار وما هو على المسار، إنه لأمر يدعو للأمل أن تعود للشعر طاقته عبر الشباب". ويعتبر أن لقب شاعر يمكن إطلاقه وبكل بساطة: "لمن يكتب الشعر، ويستمر في تأكيد حضوره".

ما بين القطيف ومالك فتيل علاقة مكانية مليئة بالحب وبالوفاء، فقد خصص لها قصيدة تظهر مدى التعلق بها ومدى أهمية المكان بالنسبة إليه: "القطيف، يا له من اسم!، يبدو أنه من الأسماء القلائل التي ينحشر بداخلها كمٌّ كبير من المعاني: المنسجمة والمتضاربة، العصرية والعتيقة، البسيطة والمركبة، القريبة والبعيدة، يختلط فيها الواحد بالكل وتنعزل فيها الأنا عن غيرها، فيها تتدلل النرجسية الطفولية بجانب أنفةِ الرجولة والمروءة والإباء. فلا حقيقة تشبه القطيف كما نراها، لعل ما يُشبهها حقًا -ويليق بها- هو الشعر.
أما المكان فهو حاضن الذكرى، هو أثر الزمن، هو اللسان الذي يتحدث من خلاله التاريخ، وما الإنسانية سوى تاريخ وذكرى، وما وجودها إلا شعرًا تاريخيًّا مكتوبًا على صفحات المكان، حسبك أن تلاحظ هذا التطور الذي حدث في أخلاق الإنسان، أصبح أكثر حساسية لقضايا الأرض والبيئة والغلاف الجوي، إنه تطور، بل هي قفزة طويلة أن يُدرك الإنسان أهمية المكان، كل المكان، لكل الناس، مبتعدًا عن حدوده المنفعية الأنانية".

وحول  ما إذا كان الشعر في عالمنا العربي قد نال حقه المعنوي بالدرجة الأولى قبل المادي يقول: "عالمنا العربي يتقهقر في عدة مجالات، يكفينا أن ننظر ما كنا عليه في القرن الماضي وما نحن عليه الآن، إن امتلاكنا لتقنيات العصر ليس دليلًا على تقدمنا، بل على العكس تمامًا، إنه البرهان اليومي المؤكِد على تخلفنا وتراجعنا، وفي هذه الأحوال: من التخلف والرجعية، من التشتت والفرقة، من انعدام المروءة والحس بالإنسانية، أقول، ليس على الشاعر أن يتوقع الكثير. 
هذه ليست دعوة للتوقف، على العكس تمامًا؛ على الشاعر أن يستمر في حمل مشعله، أن يكتب الناس شعرًا، أن يستنطق الهامش، أن يستمر في الإشارة إلى النور، ويغامر في التقدم إليه، فما أحوجنا للنور/الشعر في هذه العتمة".
وحول مشاريعه الحالية والمستقبلية: "حقيقة، لا شيء مهم في الأفق. أكتب ما يثيرني شعريًّا، فأنشره مباشرة على صفحتي في الفيسبوك، وإذا لم أجد وقتاً للكتابة قمت بإعادة نشر بعض ما نشرته سابقًا".

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

2017-07-10 23:52:38    الشاعر الإنسان

مالك برغم التصاقي الكثيف بعالم الثقافة والمثقفين والفن والفنانيين الا انه من النادر أن تجد منهم الإنسان صاحب المبادئ ..التي لا تتجزأ ..كان لي الشرف بالعمل معه في أوبريت ..وعرفته عن قرب وكان مسكبا حقيقيا لي في مسيرتي الفنية ..وأتمنى أن يجمعنا عمل قادم على شكل مسرحية شعرية او غنائية ..كن بخير يا صديقي