قراءة في كتاب

ابن أبي جمهور الأحسائيّ، وكتابه الكلاميّ "مـجلي مرآة الـمنجي"

كتاب: "مجلي مرآة الـمنجي" كتاب ثرّ غنيّ لابن أبي جمهور الأحسائيّ، انتهى من مسوّدته في أواخر جمادى الآخرة من العام ثمانمئة وخمسة وتسعين للهجرة، وأتمّه في السّادس عشر من صفر من العام ثمانمئة وستّة وتسعين للهجرة في مشهد الإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام.

 

يقول الباحث محمّد علي الحرز في كتابه: "العطاء العلميّ والفقهيّ عند الشّيخ محمّد بن أبي جمهور الأحسائيّ" إنّه طبّق فيه الكلام والحكمة عند الشّيعة على مذاق التّصوّف والعرفان، وهو شرح لكتابه "مسلك الأفهام، في علم الكلام"، والحاشية على المسالك الموسومة بـ "النّور الـمنجي من الظّلام، في حاشية مسلك الأفهام"، وأثناء تدريسه في النّجف الأشرف لـ "النّور المنجي" ظهرت له نكات دوّنها في حاشية ثانية، ثمّ جمع الأصل والحاشيتين في هذا الكتاب الذي سمّاه "مجلي مرآة الـمنجي"، وجعل عنوان الأصل "قوله"، وبعده "الحاشية" والعنوان الثالث "أقول".

 

أمّا المحقّق رضا بور فارمد ففي تحقيقه للكتاب يقول: "إنّ ابن أبي جمهور يعدّ أوّل عالم من الوسط الشّيعيّ يجهد في التّوفيق بين الاتّجاهات الفكريّة في عصره، فقد عمد في هذا الكتاب إلى ابتكار أسلوب عرّفه بنفسه على أنّه فريد من نوعه، إذ مزج فيه بين الكلام الـمعتزليّ والأشعريّ والفلسفة المشّائيّة والإشراقيّة والتّصوّف.

 

لقد كان ابن أبي جمهور الأحسائيّ على معرفة ودراية كاملة بالتّيّارات المذهبيّة في شرق العالم الإسلاميّ منذ الهجمة المغوليّة وما بعدها، ويمكن لنا الوقوف على هذه الحقيقة من خلال الأقوال المتعدّدة التي ينقلها عنه أقطاب هذه التّيّارات المذهبيّة، وقد أثبت من خلال تفسيره وتحليله لهذه الأفكار والعمل على التّوفيق فيما بينها أنّه لم يكن مجرّد ناقل محض لآراء الأقدمين، بل هو ممثّل أصيل لعصره ومصره.

 

وعليه فإنّ هذا الكتاب متقدّم على أعمال فلاسفة المدرسة الأصفهانية التي ظهرت في القرن التّالي لابِ جمهور "القرن العاشر" حيث جهدوا من أجل الخروج بتركيبة واحدة لتعاليم تلك المدرسة، رغم أنّ أعمال الشّخصيّات الكبيرة من أمثال صدر المتألّهين تعدّ أكثر ثراء في هذا المجال.

 

وابن أبي جمهور الأحسائيّ، هو محمّد بن زين الدّين أبو الحسن عليّ بن حسام الدّين إبراهيم بن حسن، عالـم فقيه مـحدّث متكلّم، ولد في قرية التّيمية من الأحساء في حدود العام ثمانمئة وثمانية وثلاثين للهجرة. أسرته من البيوتات العلميّة في الأحساء، وبيته بيت علم ونجابة، مشرّعة أبوابه على الرّقيّ والتّحصيلِ.

 

بدأ تحصيله العلميّ في الأحساء في ريعان شبابه على يد والده، وبعض أعلام بلاده، ثمّ شدّ رحاله إلى النّجف الأشرف طالبًا للعلم، وحضر عند كبار العلماء أمثال الشّيخ الحسن بن عبد الكريم الفتّال الذي أجازه في الرّواية.

 

درس مدّة شهر من الزّمن في "كرَك نوح" في لبنان على الشّيخ عليّ بن هلال الجزائريّ، فقيه عصره، فأجازه أيضًا. آب إلى الأحساء وقد بلغ مبلغًا علميًّا رفيعًا، ثمّ يمّم شطر الكاظمين، وتوجّه إلى مشهد المقدّسة، وفي طريقه ألّف كتابه "زاد المسافرين"، وفي مدينة مشهد أتمّ كتابه "كشف البراهين، في شرح زاد المسافرين"، ولـمّا عاد إلى الأحساء ألّف كتاب: "قبس الاقتداء، في شرائط الإفتاء والاستفتاء" وكتاب "مسلك الأفهام، في علم الكلام".

 

عاد إلى مشهد ومنها إلى الأحساء، ثمّ قصد مكّة فالعراق، وأقام مدّة في النجف الأشرف ممارسًا التّدريس، وألّف مسوّدة الـمجلي والمسالك الجامعيّة، ومن النّجف إلى مشهد حيث أتمّ منقّحة عن كتاب: "مجلي مرآة المنجي"، ليسافر بعد ذلك إلى أسترأباد حيث ألّف كتاب: "درر اللآلي"، وبعد فترة من الزّمن كتب في المدينة شرح الباب الحادي عشر.

 

فيما يخصّ وفاته يقول الباحث محمد علي الحرز في كتابه: "العطاء العلميّ والفقهيّ عند الشّيخ محمّد بن أبي جمهور الأحسائيّ" إنّ تاريخ وفاته بقي لغزًا محيّرًا لجميع من كتب عنه، فلم يذكر المؤرّخون ومن ترجم له تاريخًا دقيقًا لوفاته سوى أنّه في مطلع القرن العاشر، وقد ذهب معظم من ترجم له إلى أنّ وفاته بعد عام تسعمئة وواحد للهجرة، وهو اشتباه لأنّ آخر ذكر له كان في عام تسعمئة وستّة حين أجاز الشّيخ عليّ بن قاسم عذاقة، وبذلك يتحتّم تحديد تاريخ وفاته ما بعد هذا التّاريخ.

 

أثنى عليه كثير من العلماء فقال فيه القاضي نور الله التّستري: "صيت فضائله معروف ومشهور بين الجمهور، وهو في عداد المجتهدين الإماميّة، وفنون كمالاته خارجة عن حدّ الإحصاء"، أمّا المحقّق الكاظميّ فقال: "العالم العلم، الفقيه النّبيل، المحدّث الحكيم المتكلّم الجليل، محمد بن أبي جمهور، سقاه الله يوم النّشور، من الشّراب الطّهور".

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد