قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
السيد محمد حسين الطبطبائي
عن الكاتب :
مفسر للقرآن،علامة، فيلسوف عارف، مفكر عظيم

وجودٌ تقوم به الحياة

 

السيد محمد حسين الطباطبائي
الرُّوح على ما يعرّف في اللّغة هو مبدأ الحياة الذي به يقوى الحيوان على الإحساس والحركة الإرادية. ولفظه يذكّر ويؤنّث، وربّما يتجوّز فيطلق على الأمور التي يظهر بها آثار حسنة مطلوبة، كما يُعدّ العلم حياة للنفوس، قال تعالى: ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه..﴾ الأنعام:122، أي بالهداية إلى الإيمان. وعلى هذا المعنى حمل جماعة مثلَ قوله: ﴿ينزّل الملائكة بالروح من أمره..﴾ النحل:2، أي بالوحي. وقوله: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا..﴾ الشورى:52، أي القرآن الذي هو وحي، فذكروا أنّه تعالى سمّى الوحي أو القرآن روحاً لأنّ به حياة النفوس الميتة، كما أنّ الروح المعروف به حياة الأجساد الميتة .


وكيف كان، فقد تكرّر في كلامه تعالى ذكرُ الروح في آيات كثيرة مكّية ومدنية، ولم يرِد في جميعها المعنى الذي نجده في الحيوان، وهو مبدأ الحياة الذي يتفرّع عليه الإحساس والحركة الإرادية، كما في قوله: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفّاً..﴾ النبأ:38، وقوله: ﴿تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر﴾ القدر:4. ولا ريب أنّ المراد به في الآية غير الروح الحيواني وغير الملائكة، وقد وصفه تارة بالقدُس، وتارة بالأمانة -كما سيأتي- لطهارته عن الخيانة وسائر القذارات المعنويّة، والعيوب والعاهات التي لا تخلو عنها الأرواح الإنسيّة. وهو وإن كان غير الملائكة، غير أنّه يصاحبهم في الوحي والتبليغ، كما يظهر من قوله: ﴿ينزّل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده..﴾ النحل:2. فقد قال تعالى: ﴿..من كان عدوّاً لجبريل فإنّه نزّله على قلبك بإذن الله..﴾ البقرة:97، فنسب تنزيل القرآن على قلبه صلّى الله عليه وآله إلى جبريل، ثمّ قال: ﴿نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين* بلسان عربي مبين﴾ الشعراء:193-195، وقال: ﴿قل نزّله روح القدس من ربّك..﴾ النحل:102. فوضع الرّوح -وهو غير الملائكة بوجه- مكان جبريل وهو من الملائكة، فجبريل ينزل بالروح، والرّوح يحمل هذا القرآن المقّر والمتلو، وبذلك تنحلّ العقدة في قوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا..﴾ الشورى:52، ويظهر أنّ المراد من وحي الروح في الآية هو إنزال روح القدس إليه صلّى الله عليه وآله، وإنزاله إليه هو الوحي القرآن إليه لكونه يحمله على ما تبيّن.

 

الرُّوح من أمره تعالى
وقد زاد سبحانه في إيضاح حقيقة الرّوح حيث قال: ﴿..قل الروح من أمر ربّي..﴾ الإسراء:85. وظاهر «مِن» أنّها لتبيين الجنس كما في نظائرها من الآيات: ﴿..يلقي الروح من أمره..﴾ المؤمن:15. ﴿ينزّل الملائكة بالروح من أمره..﴾ النحل:2. ﴿..أوحينا إليك روحاً من أمرنا..﴾ الشورى:52. ﴿تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر﴾ القدر:4. فالرّوح من سنخ الأمر. ثم عرّف أمره في قوله: ﴿إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون* فسبحان الذي بيده ملكوت كلّ شيء..﴾ يس:82-83. فبيّن أوّلاً أنّ أمره هو قوله للشيء «كن»، وهو كلمة الإيجاد التي هي الإيجاد [واقعاً]، والإيجاد هو وجود الشيء لكن لا من كلّ جهة، بل من جهة استناده إليه تعالى، وقيامه به، فقوله فعله .


ومن الدليل على أنّ وجود الأشياء قولٌ له تعالى من جهة نسبته إليه مع إلغاء الأسباب الوجودية الأُخَر، قوله تعالى: ﴿وما أمرنا إلّا واحدة كلمح بالبصر﴾ القمر:50. حيث شبّه أمره بعد عدِّه واحدة، بلمح بالبصر، وهذا النوع من التشبيه لنفي التدريج، وبه يُعلم أنّ في الأشياء المكوّنة تدريجاً، الحاصلة بتوسّط الأسباب الكونية المنطبقة على الزمان والمكان، جهة مُعرّاة عن التدريج، خارجة عن حيطة الزمان والمكان، هي من تلك الجهة أمره، وقوله، وكلمته. وأمّا الجهة التي هي بها تدريجية مرتبطة بالأسباب الكونية، منطبقة على الزمان والمكان، فهي بها من الخلق، قال تعالى: ﴿..ألا له الخلق والأمر..﴾ الأعراف:54. فالأمر هو وجود الشيء من جهة استناده إليه تعالى وحده، والخلق هو ذلك من جهة استناده إليه مع توسّط الأسباب الكونيّة فيه.


ويستفاد ذلك أيضاً من قوله: ﴿إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثمّ قال له كن فيكون﴾ آل عمران:59. حيث ذكر أوّلاً خلق آدم، وذكر تعلّقه بالتراب وهو من الأسباب، ثم ذكر وجوده ولم يعلّقه بشيء إلّا بقوله «كن».
فظهر بذلك كلّه أنّ الأمر هو كلمةُ الإيجاد السماوية، وفعلُه تعالى المختصّ به الذي لا تتوسّط فيه الأسباب، ولا يتقدّر بزمان أو مكان، وغير ذلك .
ثم بيّن ثانياً أنّ أمره في كلّ شيء هو ملكوت ذلك الشيء -والملكوت أبلغ من المُلك- فلكلّ شيء ملكوت، كما أنّ له أمراً، قال تعالى: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض..﴾ الأعراف:185. وقال: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض..﴾ الأنعام: 75. وقال: ﴿تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر﴾ القدر:4.
وقد بان بما مرّ أنّ الأمر هو كلمة الإيجاد، وهو فعله تعالى الخاصّ به الذي لا يتوسّط فيه الأسباب الكونيّة بتأثيراتها التدريجيّة، وهو الوجود الأرفع من نشأة المادّة وظرف الزمان، وأنّ الرّوح بحسب وجوده من سنخ الأمر، من الملكوت .
وقد وصف تعالى أمر الرّوح في كلامه وصفاً مختلفاً، فأفرده بالذكر في مثل قوله: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفّاً..﴾ النبأ:38. وقوله: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه..﴾ المعارج:4 .

 

استعمالات الرُّوح في القرآن
ويظهر من كلامه تعالى أنّ من الرُّوح ما هو مع الملائكة، كقوله في الآيات المنقولة آنفاً: ﴿..من كان عدوّاً لجبريل فإنّه نزّله على قلبك..﴾ البقرة:97. ﴿نزل به الروح الأمين* على قلبك..﴾ الشعراء:193-194. ﴿قل نزّله روح القدس..﴾ النحل:102. وقوله: ﴿..فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشراً سويّاً﴾ مريم:17 .
ومنه ما هو منفوخ في الإنسان عامّة. قال تعالى: ﴿ثمّ سوّاه ونفخ فيه من روحه..﴾ ألم السجدة:9. وقال: ﴿فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي﴾ الحجر:29. ومنه ما هو مع المؤمنين، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿..أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه..﴾ المجادلة:22. ويُشعر به بل يدلّ عليه أيضاً قوله: ﴿أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس..﴾ الأنعام:122، فإنّ المذكور في الآية حياة جديدة، والحياة فرع الروح .
ومنه ما نزل إلى الأنبياء عليهم السلام كما يدلّ عليه قوله: ﴿ينزّل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا..﴾ النحل:2، وقوله: ﴿..وآتينا عيسى بن مريم البيّنات وأيدّناه بروح القدس..﴾ البقرة: 87. وقوله: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا..﴾ الشورى:52. إلى غير ذلك .

 

الخلاصة
فقد تبيّن بما قدّمناه على طوله، معنى قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي..﴾ الإسراء:85، وأنّ السؤال إنّما هو عن حقيقة مطلَق الرّوح الوارد في كلامه سبحانه، وأنّ الجواب مشتملٌ على بيان حقيقة الرّوح، وأنّه من سِنخ «الأمر» بالمعنى الذي تقدّم.
وأمّا قوله: ﴿.. وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الإسراء:85، أي ما عندكم من العلم بالرّوح -الذي آتاكم اللهُ- ذلك قليلٌ من كثير، فإنّ له موقعاً من الوجود، وخواصَّ وآثاراً في الكون عجيبةً بديعة، أنتم عنها في حجاب.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد