علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

سرُّ العَلمانية وسحرها (٢)


كيف لنا أن نعثر إذاً عن معنى العلمانية في حقل الاستعمال، أي في محال الاختبار، حيث لا ينفصل ما هو متصوّر بالذهن عما هو محصَّلٌ في الواقع؟

في وقت متأخر من مساجلات ما بعد الحداثة قدَّم عالم الاجتماع الأمريكي لاري شاينر ستة تعريفات للعلمانية وأقامها على الترتيب التالي:

-أفول الدين.

-التناغم مع الدنيا.
-تحرر المجتمع من قيود الدين,

-تحول المعتقدات والمؤسسات الدينية.

-سلخ القدسية عن العالم.
-السير من المجتمع القدسي إلى المجتمع العلماني.

لكن في ضوء الجذر اللغوي والمسيرة التاريخية للعلمنة، فإن تعريفها بـ "التناغم مع الدنيا" و"أصالة الشؤون الدنيوية" يبدو في الحقيقة تعريفاً عامّاً ودقيقاً للعلمانية. ذلك بأن "التحول إلى الدنيوي" في الأدبيات الفلسفية الغربية يعني التحول إلى "هنا". وإلى الحال، وإلى الأرض، أي أن الوجود في علم الوجود (الانطولوجيا) ينحصر في العالم المادي المحسوس، بينما تترك عوالم ما وراء الطبيعة، والآخرة، للنسيان..
 

صحيح أن المجتمعات العلمانية لم تستأصل البعد الروحاني للإنسان، لكنها استنزلته إلى أدنى مراتب الاهتمام الأخلاقي. وما ذاك إلا لشغفها بليبرالية الاقتصاد والسياسة، واستغراقها  في تعظيم الذات الفردية، وسعيها إلى الاستقلال المفرط عن أي معيارية أخلاقية تنظم الاجتماع البشري على مبدإ الرحمانية والعدل. أما النتيجة التي أدّت إليها أفعال العلمنة، فكانت فقدان العقل دوره في تحكيم الجدالات الأخلاقية، وعدم قبول أي شيء معياري خارج التحكيم الشخصي. وهذا ما يسميه تشارلز تايلور "إيديولوجية إنشراح الذات" épannouissement de soi الشديدة القوة في الثقافة الغربية المعاصرة. تلك التي استمدت قوتها من عصر الأنوار ونالت دعماً لا سابق له من الليبرالية الجديدة، وكل ذلك بذريعة الاعتقاد أن الكائن هو محور الكون. إلا أن هذا الكائن لم يفتأ برهة حتى استحال رقماً سليبّاً في منظومة رأس المال وجوعها الضاري إلى التكاثر.

لم تلبث العلمانية أن تحولت إلى ميتافيزيقا تلهم الدولة والمجتمع والمؤسسات. لكن لم تأمن مجتمعات الحداثة إلى العلمانية لمَّا استحالت لاهوتاً سلطويّاً يصدر أحكامه بلا هوادة. حتى إذا آنت ثورة النقد تهافت اليقين، وآل كل شيء إلى حضرة الشك. حتى قال الذين اكتووا برمضاء الخيبة: "علمانية التنوير ماتت، الماركسية ماتت، وكذلك حركة الطبقة العاملة. وأما المثقف فقد بات لا يشعر بأنه على ما يرام أو أنه أوشك على الموت".

تبدو الصورة على أتمِّها حين تُنقد العلمانية من أهلها. فلاسفة التنوير هم أول من افتتح مغامرة النقد ونزع الغطاء عن معايب الحداثة…
 

أدموند هوسرل سيمهِّد إلى مثل هذه المغامرة ويقول: "إن من دواعي التفلسف أن تكون مع التراث وضده في الآن عينه". وكان يتساءل: كيف يمكنني أن أهتدي إلى منهج يمنحني الخيط الذي أسير عليه لكي أبلغ العلم اليقين . ومع أنه كان من وَرثَة ديكارت إلا أنه أُخذ عليه قصور منهجه الرياضي في الكوجيتو. ودليله أن التفلسف فضاء لا متناهٍ ولا تحده حدود المعادلات الصمَّاء.

مارتن هايدغر سيمضي إلى حيث لم يقدر عليه الأولون من قبله. عنده الحداثة لم تفلح في إنتاج ما يتجاوز ميتافيزيقا الإغريق، وأن اليونان مذ حدَّدوا الخطوط الأساسية لفهم الوجود، لم تتحقق خطوة جديدة من خارج الفضاء الذي ولجوه للمرة الأولى. لم يكن هايدغر لينحو هذا النحو، لولا أن بلغ نقده للحداثة حدّاً بات معه على دراية بما انتهى إليه مشروعها من صدوع لا ينفع معها نقدٌ ذاتي، أو تبريرٌ إيديولوجي.

في أحقاب متأخرة، تطورت الموجة النقدية لتطاول الحداثة ومعارفها على الجملة. من العلامات الفارقة التي ميّزت حركة النقد، أنّ الثقافة العلمانية السائدة في الغرب قد تعرضت لهزّه حاسمة في "بنية المشاعر". لقد حدث صربٌ من تحوّل درامي ليس فقط في المزاج العام لدى إنسان الزمن العلماني، وإنما أيضاً وأساساً في طرق إيمانه ومناهج تفكيره، ناهيك عن أنماط نشاطه العام في السياسة والاقتصاد والاجتماع والسلوك الفردي.

في مقام التفكير الفلسفي جرت وقائع النقد على نحو شديد الوقع: إدانة عارمة للعقل المجرد، وكرهٍ عميق لأي مشروع يستهدف تحرير الإنسان. حتى الماركسية والعلمانية الليبرالية اللتين حملتا مشاريع بديلة للرأسمالية التقليدية لم تنجوا من سوط النقد. فقد ذهب كثيرون من صنّاع الثقافة الغربية المعاصرة إلى النظر إليهما بوصفهما فلسفتين رجعيتين فقدتا رونقهما وعفا عليهما الزمن. ومبعث حكم كهذا من الأزمة الأخلاقية التي وَسَمت علمنة عصر التنوير ولمّا تنته إلى يومنا هذا. فإذا كان صحيحاً أن العصر المشار إليه قد أتاح للإنسان تحرير ذاته من تقاليد العصور الوسطى، إلا أن إصرار علمانيِّيه على إحلال "الذات الفردية محل المتعالي" سيقود إلى تناقض ذاتي، حيث تُرك العقل مجرداً من الحقيقة الإلهية، ثم ليتحول إلى مجرد أداة للتصنيع وإدارة السوق ومن دون هدف روحي أو أخلاقي.
من هذه الزاوية لم يرَ جمع من فلاسفة ونقاد ما بعد الحداثة إلا أن علمانيةً بهذه الصفات، لا ترقى لتكون قيمة أخلاقية متسامية. وما بيَّنه الفيلسوف الأمريكي جون راولز كان حاسماً، لمّا رأى أن العلمانية ليست قيمة أخلاقية أو مفهوماً للخير، على الرغم من أنها شكلت في وجه من وجوهها إحدى قيم العدالة لجهة دعوتها إلى حرية الاعتقاد لدى الأفراد.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد